إذا أردت أن تجتاز مرحلة مؤلمة في حياتك عشها كاملاً، لا ترضى لا بالتخدير ولا التجاهل ولا أنصاف الحلول، وحدها المواجهة سوف تشفيك، فلا بد من نظرة شمولية للموضوع وتوازن نفسي واضح لتكون الأحكام موضوعية للأمور، فالتوازن بين العقل والعاطفة لابد منه عند المواجهة أو المكاشفة، كذلك الأمور مع الآخرين.

يحتاج الإنسان لكي يكون قادراً على المواجهة العديد من السمات الشخصية والقدرات، فبعض الناس يرى أن المواجهة الصريحة خصلة حسنة يتميز بها عن الآخرين، وقد يكون ذلك صحيحاً لأن الإنسان الذي يعتاد على مواجهة الآخرين والإعلان الصريح عما تضمره النفس هو مرادف لمصداقية الإنسان وقدراته على العطاء، ولكن قد لا يكون الآخرون على استعداد لأن يتفادوا الصدام الذي قد ينتج عن تلك المواجهة، إذا ما تعرضوا لسماع مواجهتنا المباشرة دونما تمهيد.

فلكي نواجه الآخر تعودنا أن نشرح موقفنا ونمهد له بتوضيح يخلق حالة من الود تكفي لاستيعاب تلك المواجهة وبالذات إذا كان الموضوع حساساً ومهماً بالنسبة لنا وللطرف الآخر.. لأنه إذا جاءت المواجهة على أرضية من التوتر والجفاء والعداء المسبق فإنها تؤدي إلى احتدام الآراء إلى حد القطيعة أو الخلاف أو الصدام، بينما القدرة على المواجهة تخلق ناساً يؤثرون إفشاء الحقيقة بكاملها وبدون تزييف، قادرين على إماطة اللثام عن الحقيقة و إعلانها جهراً بدون تردد مهما كانت درجة المرارة سواء بالنسبة لهم أو لمتلقي تلك الحقيقة.

ولكن للأسف فإن العصر الذي نعيشه بزيفه وبما يتطلبه من نفاق وما تستدعيه الأمور من لبس الأقنعة أحياناً كثيرة، وبتفشي المجاملات بين الناس، كل ذلك قد أدى إلى انقراض القدرة على المواجهة، بحيث تقلصت عند الناس إلى حد كبير، وأصبح إنسان هذا العصر يضمر أكثر مما يظهر، ويناور لإخفاء الحقائق سعياً لتوظيفها لصالحه، ويصبح عاجزاً عن مواجهة أي أحد مهما كانت صلته به حتى لو كانت تلك المواجهة ضرورية وفي صالح ذلك الطرف.

الخلاصة أن عدم المواجهة والابتعاد عن المكاشفة الصريحة وإقامة سياج حول الحقائق حتى لا يتبين الآخرون أننا نستوعبهم وندرك بعض ما يفكرون به قد يكون ضرره أكثر من منافعه في بعض المواقف، فالمكاشفة الصريحة من شأنها أن تزيل الغيوم في العلاقات الإنسانية إذا كانت تستهدف تنقية الأجواء وليس النقد والتجريح فقط، أما الكتمان الذي يترافق مع المناورة فهو يزيد سلبيات الحوار الداخلي .. ذلك الحوار الذي يدور بين الإنسان ونفسه ما يجعل الإنسان عاجزاً عن الوصول إلى الحقائق لأنه لم يجرب جدل المكاشفة وجدوى الحوار، وكل ذلك يؤدي إلى درجات متباينة من الاضطرابات النفسية للذين لا يجرؤون على المواجهة ويرون المكاشفة الصريحة الواضحة ترفاً لا داعي لها ولا جدوى منها، ويحرمون أنفسهم من تلك الإرادة الجميلة الرائعة.. إرادة المواجهة.
  

Mozalmalki@hotmail.com