• لقد ألهمتنا عبارات قالها صاحب السمو  “قطر تستحق الأفضل من أبنائها” و”إن قطر بحاجة لكل منكم في بناء أمنها واقتصادها واستقرارها” وكانت سبباً في تشجيعنا للتميز والاجتهاد
  • لا خيار اليوم أمام المؤسسات الحكومية إلا أن تتطوّر وتتقدّم في جميع المجالات
  • العالم ينتظر أن يرى دولة قطر بأبهى صورة

تناولنا في المقالات السابقة عدّة مفاهيم كانت تتمحور حول تقييم القيادات وتطويرها وتمكينها وأثر تفعيل القيادات على إنتاجية المؤسسة الحكومية، وقلنا إن عدم اختيار الأشخاص المناسبين لقيادة أي منصب من مناصب مؤسسات الدولة له تأثيرات سلبية مباشرة وغير مباشرة على صعيد الأفراد وعلى صعيد الإنتاجيّة ما قد يؤدّي بنهاية المطاف إلى فشل المؤسسة في تحقيق أهدافها. هذا وقد تطرقنا إلى بعض الحلول التي تعالج إحباط القيادات وتساهم في إعادة تفعيلها وشحن طاقاتها لما فيه مصلحة بلادنا الحبيبة.

وفي هذا المقال سوف نتطرّق إلى موضوع مكمّل لمسار القيادات وإنجازاتها المهنيّة، ألا وهو تقييم الأداء المؤسسي، والذي يعد من أهم الأدوات التي تساهم في نهوض القطاع الحكومي، حيث لا يمكن أن نحكم على هذه المؤسسة أو تلك الوزارة بأنها متطوّرة ما لم يكن لدينا برنامج واضح وآلية معتمدة لقياس الأداء المؤسسي فيها وتحديد مدى التطوّر من عدمه.

تعاني بعض المؤسسات (خاصة الحكومية منها) من “الشيخوخة الإدارية” ويرجع ذلك إلى عدم تبني نهج التغيير للأفضل وعدم العمل على تطوير المؤسسة من النواحي التقنية والفنية والخدمية. علاوة على ذلك، أغلب المؤسسات اليوم لا يوجد بها نظام لقياس مستوى التطوّر ومستوى الأداء، فنرى أن التركيز يكون دائماً على العمل وليس على جودة العمل وأثره. من هذا المنطلق ينبغي تصميم أنظمة داخلية فعّالة لقياس مدى فعالية الإجراءات المنفذة في تلبية متطلبات الواقع الحالي والمستقبلي للدولة خاصة أن الوضع الراهن متغيّر بصورة سريعة وهو يسير بتوافق مع الوضع العالمي فالذي نريده الآن هو مختلف بصورة كلية عن المطلوب غداً فلا خيار أمام مؤسسات الدولة إلا أن تتطوّر في جميع المجالات وتساهم في تحقيق التميّز المؤسسي.

فما هو التميّز المؤسسي؟
هو أن تقوم مؤسسات الدولة بتنفيذ الأهداف والمتطلبات الحاليّة المطلوبة منها في الخطط الإستراتيجية بالإضافة إلى وصولها لتحقيق التوقعات المستقبليّة. أما في حال كانت النتائج التي تم تحصيلها فوق المعدّل المطلوب فهنا يسمى إبداعاً.

التميّز في المؤسسات يعني أن الأداء الفردي عالٍ والإدارة فيها رشيدة محفزة للطاقات ومستفيدة بشكل أمثل من الموارد البشرية والمادية، وتكون فيها الخدمات بجودة عالية وبتكاليف مناسبة.
التميز المؤسسي أصبح اليوم مطلباً عالمياً وليس شأناً داخلياً فقط، فقد أصبحت الحكومات المميّزة يضرب بها المثل وتستخدم كعينة للدراسة وكمثل أعلى يحتذى به دولياً.. ولا ننسى أننا مقبلون على تنظيم بطولة كأس العالم في عام 2022 وأنظار العالم كله بدأت بالفعل تتجه نحو دولتنا وهم يسمعون عن رؤيتنا بأننا دولة متطوّرة آمنة ومستقرّة وتقدّم خدمات ذات جودة عالية وهذا يضعنا تحت المسؤولية ويتطلب رفع معدّل الأداء في مؤسسات الدولة ولا يتم ذلك إلا عن طريق بناء الخطط الإستراتيجية، ومتابعة نتائج هذه الخطط للتأكّد من أنها تسير في الطريق الصحيح، ويتم ذلك عن طريق تصميم الأدوات المناسبة التي تستطيع قياس أداء هذه المؤسسات ومدى تحقيقها للأهداف المنشودة.

لقد ألهمتنا عبارات قالها سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى “قطر تستحق الأفضل من أبنائها” و”إن قطر بحاجة لكل منكم في بناء أمنها واقتصادها واستقرارها” وكانت سبباً في تشجيعنا للتميّز وبذل كل ما نملك من أجل رفعة بلادنا داخلياً وإقليمياً وعالمياً. فلننطلق في مسارنا الموازي لمسار حكومتنا الرشيدة فنحن اليوم في اختبار أمام أنفسنا وأمام العالم بأسره، وكل مواطن قطري اليوم يساهم في تطوير بلاده ويدافع عن شموخها وسيادتها، كل بحسب موقعه.

التحدي يكمن في تصميم المعايير المناسبة لقياس مدى التطوّر والتميّز بما يناسب كل مؤسسة، فهناك اختلاف كبير بين مؤسسات القطاع الخاص والحكومي ويتلخص الاختلاف في منظومة العمل الداخلي والمخرجات، فمثلاً القطاع الخاص أو التجاري يعتمد على الخدمة مقابل الثمن بمبدأ الربح والخسارة، أما الحكومي فمعظم المعاملات فيه بدون مقابل أو شبه مجانيّة، وطبيعة العمل متنوّعة: فلدينا القطاع الصحي والتعليمي والأمني والرياضي والفني والاجتماعي والسياسي والاستثماري، ففي كل من تلك المؤسسات يجب أن تكون لدينا معايير محدّدة ملائمة، ولكن جميعها يحاكي هدفاً واحداً، ألا وهو تحقيق التميّز المؤسسي.

الخلاصة:
التميز أصبح مطلباً هامّاً في القطاع الحكومي ولم يعد محصوراً على القطاع الخاص والتجاري فقط، ولضمان صمود تلك المؤسسات لا بد أن تواجه التحديات المختلفة وعليها أن تجتاز معايير تقييم الأداء المؤسسي وفيها يتم تقييم مدى ما حققته المؤسسة من تلك الأهداف حسب الإنجازات المميّزة المتوقعة منها.

لدينا وزارات ومؤسسات مميّزة في الدولة تغرّد خارج السرب لها صدى محلي ودولي وتمكنت من رفع معدّل الكفاءة الدولية لبلادنا العزيزة من الناحية الاقتصادية والأمنية والسياسية والصحية،وأملنا وثقتنا كبيرة في الوزارات والمؤسسات الأخرى أن تكمل مسيرة الإنجازات عبر استكمال خططها وتطوير مخرجاتها المستقبليّة.

ولا أنفع من تطبيق نظام نقل الخبرات لكي تستفيد الوزارات والمؤسسات الحكومية من بعضها البعض أو تستفيد من المؤسسات المماثلة في الدول المتقدّمة، ويروق لي أن اختم بعبارة يجب علينا جميعاً تطبيقها، فبدل أن نعيش في مؤسساتنا معزولين، علينا “أن نبدأ من حيث ما انتهى الآخرون”.