قطار العام الهجريّ يُطلق صفارته، إيذاناً بالرحيل، يجرّ معه أياماً وشهوراً انقضت من أعمارنا، يسحب على قضبانه آثامنا، وذنوبنا، وحسناتنا..

يجرّ بدقة لا نُحصيها، آمالنا التي حققناها، والأخرى التي تبخرّت مع السحب والغيم دون عودة، وأحلامنا التي توارت بين فواصل اللحظة واللحظة، حتى طويت الصفحات، وسدّت المنافذ، وأغلقت كل الطرق..

حمداً لله.. لقد حان الرحيل لهذا العام الذي مرّ كما يمرّ الماء من بين أناملنا، هكذا، وكأنها غمضة عين وانتباهتها، وكأنها طلقة من فوهة مسدس سريع الطلقات..

الساعات تدقّ فوق رؤوسنا، وفوق سواعدنا، وبين أضلاعنا، مع كل خفقة قلب، وكل نفس يدخل ويخرج إليها، تطرق بمطارق أشدّ وأقوى مما نتخيله أو نعيه، وهي تصيح بنا، وتستوقفنا كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة، قائلة لنا:

ـ أفيقوا أيها البشر المُتقاعسون النائمون بين سفن الأحلام والأماني، فقد انقضى عام آخر من أعماركم التي لا نعرف عددها، ولا يعلمها إلا الله، أفيقوا فقد أطلقت إنذارات الغروب بلا عودة، وإنذارات العدّ التنازلي، فالأمس لن يعود أبداً، وقطاره سوف يدخل في نفق الذاكرة والنسيان، ليبقى هناك للأبد، لا تُحرّكه إلا هواجسنا، وندمنا، ولكن، بعد فوات الأوان.. وتدور العجلات فوق القضبان الحديدية، مُحدثة آلامها وجراحها في صدورنا وأمانينا، وكل لحظة من اللحظات التي شدها الزمان من بين عيوننا وقلوبنا..

لحظات من المحبة والتآخي والرضا، ولحظات أخرى من الشقاء والتعاسة واليأس، ولحظات من الانزواء والانعتاق عن كل ما حولنا من آفات وآهات، ونزف موجع، ولا نتمنّى مع انفتاقنا عن تلك اللحظات السقيمة، إلا أن تشملنا رعاية الله وعنايته، فلا يصدمنا بما ليس لنا طاقة عليه، ولا يحرمنا مما نحتاجه ولا نحيا بدونه، ولا يغرقنا في أتون الصبر الذي يحرق أكثر مما تحرق جمرات اللهب.

فجمرات اللهب تحرق مادة يمكنها البرء والشفاء بإذن الله، لكن أتون الصبر يحرق ما بداخلنا مما لا يراه الآخرون، والذي ربما لا يمكن برؤه وشفاؤه مهما طال الزمن وامتدّت السنون..

عام هجري يرحل، وعام هجري يقبل، قديم وجديد، ونحن نقف هنا، فوق رصيف المحطة التي لا تخلو أبداً من روّادها، ومرتاديها، المُنتظرين لأحبة وأقرباء وبقية من السلوى والأحلام، والمودّعين لأحبة وأقرباء والكثير من الفرح والبهجة والضجيج..

حمداً لله، فقد أحيانا الله حتى لحظة انطلاق هذه السطور فوق لوح الطباعة، بينما الكثير من الآخرين، لم يمهلهم الدهر ليملأوا القلوب بالنظر إليهم ومشاركتهم مضي السنين والعمر الصغير، لم تمهلهم الأيام حتى لوداع من يحبون، وليوصوا بالخير للأبناء والأرامل والثكالى..

لسنا نطمع في الكثير يا إلهنا، فرحمتك أقرب إلينا من كل كلمات العزاء والرثاء والشفقة.. بل نريد أن تجعل هذا العام شروقاً ما بعده أفول، وفرحاً ما بعده حزن، ولقاء ما بعده فراق.. وكل عام وأنتم بخير وسعادة.....

hissaalawadi@yahoo.com