كثيراً ما أسمع جملة (أنا لا أنتمي إلى هنا) سواء في مجتمعنا العربي أو حتى من الأصدقاء من مختلف دول العالم، فالبعض يريد الانتقال إلى مكان يُقدّم له الحياة التي يتمناها، فلدي صديقة بريطانية قرّرت الانتقال إلى أستراليا لأنها وجدت البيئة المفضّلة لديها من طقس وطبيعة ومُغامرات كثيرة، وأخرى برازيلية انتقلت للبرتغال لأنها أرادت أن ترى جانباً مختلفاً من الحياة بالإضافة إلى الكثير من الأصدقاء الذين أرى تغيّر مواقعهم كل سنة أو سَنَتين، التي تُظهر لي انتقالهم إلى مدن مختلفة: نيويورك، لندن، أمستردام، ميلان، وغيرها من المُدن.

وهذا أمر من حقهم، وسأبقى دوماً فخورة بشجاعتهم وقدرتهم على أن يعيشوا في كل مكان، أما بالنسبة للكثير من أفراد مجتمعاتنا العربية خاصة الشباب منهم، فأرى فيهم نزعة الرغبة في الذهاب إلى مكان آخر، ولكن السبب مختلف تماماً، فهم لا يريدون الانتقال إلى مدينة أو بلد آخر فقط لأنهم يريدون التغيير أو شعروا بالملل من المكان الذي يعيشون به، بل للهرب من مجتمع قد لا يتقبّل جرأتهم على التعبير عن أنفسهم، وقدرتهم على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، وذكاءهم وشجاعتهم والتفكير المنطقي الذي تصادم مع الكثير من الأجوبة المُعلّبة التي مازال يحملها من قبلهم ويُجبروها عليهم، ومُجرّد شعورهم أنهم لا ينتمون إلى هنا، هو شعور مُوجع تماماً!، فكل إنسان له الحق في أن يشعر بأنه ينتمي إلى مجتمعه الذي ولُد وعاش فيه، ولكن للأسف الشروط كثيرة، والحياة قصيرة.

فكثيراً ما نرى في مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصاً مختلفين يُعبّرون عن أفكارهم، تتبعها تعليقات مثل (إذا مو عاجبك اطلع بره)، وهذه تعليقات غير مقبولة إذا ما كنا نريد بناء مجتمعات مدنية تحتوي الجميع، وترفض أن تمثلها فئة واحدة فقط، تعتقد أن الحق معها، وأنها تمتلك الضوء الأخضر في تجاوز الحدود وتخويف الغير ومحاولة انتزاع الأمان من قلوبهم في مجتمعاتهم التي عاشوا بها وسيعيشون بها إن شاء الله.

ودورنا يأتي في نشر الوعي وثقافة تقبّل الآخرين وتوفير بيئة صحيّة للجميع، وألا نرضى أن نرى أي فرد في مجتمعنا يشعر أنه لا ينتمي إلى هنا، فلا يوجد أسوأ من أن يشعر الإنسان بالغربة في وطنه الذي يُحبّه ولا يريد سواه، فالوطن يحتوي الجميع، ولا يقبل أن تحتكره فئة واحدة ترى أنها الأفضل.
  
Twitter: @tahani_alhajri