تتغيّر المواقف باختلاف المصالح، كذلك المبادئ تتغيّر بتغيّر الزمان والظروف المُحيطة، وغالباً ما كُنَّا نؤمن بأن المواقف تُظهر المعادن، ولكن قد لا تنطبق هذه المقولة بشكل دقيق في زمننا هذا، فبالإضافة للمصالح هناك أمر آخر قد يكون أهم من المصالح وهو الخوف من السلطة، ففي بعض الأمور يجد الشخص نفسه رهينة عند أصحاب السلطة ومُهدداً في أهله وماله وفي جنسيته وحريته ولذلك يضطر أن يخالف مبادئه وينساق للأوامر العُليا، ومنذ بداية الأزمة الخليجيّة ونحن نرى تساقط أوراق التوت، وتظهر الحقيقة البشعة فلم يتبقَ عالم دين ولا إعلامي وكاتب ولا مُفتٍ وفنان إلا وأُقحم في هذه الأزمة، وربما الإعلامي أو الصحفي والكاتب الذي كان ينادي بالمبادئ وحرية التعبير فجأة وجد نفسه في مأزق وبات بوقاً يردّد دون اقتناع ما تراه سلطته وحكومته حتى لا يزجّ به في السجون ولا يتغرّم المبالغ الطائلة، أمّا شيوخ الدين الذين فقدوا مكانتهم وتزعزعت الثقة بهم فهم أيضاً باتوا يصدرون فتاوى تناسب حكوماتهم الطاغية ولا يستجرئون على قول الحق ويجعلون الأنظمة الطاغية تستمرّ في طغيانها ولا تحثهم على الحكم بالعدل، وهذا ما يضعف الدين لتدخل السياسة فيه وتفضيل المصالح الشخصيّة على المصلحة الإسلاميّة العامّة، أمّا الفنانون فهؤلاء أثبتوا أنهم عبدة المال، ويخشون على أموالهم إن غضبت عليهم السلطة والحكام الذين سعوا إلى تسييس كل ما يمكنهم تسييسه، فتحكموا بضمائر الناس وعقولهم وآرائهم ووجوههم لما يخدم مصالحهم وبالمقابل حرصاً من هذه الفئة على نفسها فإنها تنفذ الأوامر، ولأن بعض (المطاوعة والإعلاميين والفنانين) الخليجيين لديهم مصالح مع الحكومات الطاغية في الخليج ويسعون لرضاهم فنجد اختلافاً في مواقفهم، فبعضهم وقف مع قطر في بداية الأزمة وربما لم تدفع له قطر وإنما كان مؤمناً بموقفها السليم ولكن عندما وقفت أعماله في دول الحصار وشحّت أياديهم عليه فتغيّر الموقف وصدر الاعتذار ومسح كل ما له علاقة بموقفه المؤيّد لقطر ونراه يُمجّد بحكومات دول الحصار ويغنّي لهم، وهذا ليس غريباً ولا مستهجناً بل الغريب ألا يتعلم أهل قطر من الدرس الكبير الذي تعرّضوا له، فطيبتهم تجعلهم يحسنون النيّة في كل من يقابلهم بحب ولا يدركون أن بعض البشر كالأفعى يتلونون حسب مصالحهم ومن يدفع لهم أكثر، فلو كانوا يحترمون جماهيرهم أو متابعيهم لما غيّروا مواقفهم ولكنهم يعيشون دون مبادئ والمادة والمصالح تحرّكهم لذلك نعيد للمرة المليون لا تثقوا إلا في أبناء وطنكم، هم الثابتون على موقفهم ويدافعون عن أرضهم دون مقابل، ودون ذلك فهم فقط يبحثون عن المادة وشهدنا نماذج كثيرة خلال هذه الأزمة من علماء الدين والشعراء والفنانين وغيرهم من الذين لو أظهروا موقفهم الحقيقي تجاه قطر فإنهم سيسجنون أو يتعرّضون للتعذيب وأهلهم للتهديد وغيره فهم يعيشون في ظل حكومات بربرية لا تسمح بالرأي الآخر ولا برأي يخالفها أو حتى يوجهها!

لا نحتاج لشعراء وفنانين وإعلاميين يدافعون عن قطر وتحت الضغط يغيّرون آراءهم، فأبناء قطر مبدعون في كل المجالات وأوفياء لها ويرخصون أعمارهم فداءً لها ولا ينتظرون مقابلاً ولا يبحثون عن شهرة فهذا أقل ما يقدّمونه لوطنهم الغالي.

- كفى تمجيداً بالأغراب ممن يغيّرون مواقفهم حسب مصالحهم ولا تنسوا أن من يقدّم منهم عملاً لقطر بالتأكيد سيتقاضى أجره، ولن يمنعه ذلك من أن يتقاضى أجراً مضاعفاً من بلد آخر نظير اعتذار في تغريدة وأغنية تمجّد في دولة ظالمة جارت على جارتها وكادت أن تغزوها عسكرياً لولا لطف الله علينا!

Amalabdulmalik333@gmail.com
amalabdulmalik@