من التّجارب المُفيدة من أيّام الدراسة في الغرب، موضوع الواجبات المنزلية للتلميذ، فقد انتقلت وقتها إلى مدينة صغيرة اسمُها (أولدهم)، وتبعد 45 دقيقة بالباص من مدينة مانشستر، وهي من المدن الرئيسيّة في بريطانيا، وكان ذلك هرباً مما أسمع عن المدينة من شغب وجرائم، ما يجعلك في قلق دائم على عائلتك والتي تمكث مدّة طويلة في المنزل، خاصة لمن هم أمثالنا في الدراسات العليا، انتقلت إلى المدينة الصغيرة والجميلة (أولدهم) ونقلت أبنائي إلى مدرستها، وقد كان لصغر المدينة ميزة طيبة أنك تجد ترابطاً وتعارفاً بين أفرادها مما يحقق قدراً كبيراً من الأمان المطلوب، وفي مدرسة (أولدهم) لاحظت الأبناء لا يأتون بواجبات منزلية، وهذا في مفهومنا، شيء غير طبيعي، فكيف لا يكون هناك واجبات في المنزل ولا دفاتر وكتب يحملونها على ظهورهم؟!، وكيف يشغل الأطفال وقتهم في البيت؟، فطلبت مقابلة المعلمة واستقبلتني مسز سميث لنتحدث في شأن الواجبات اليوميّة، وبعد أن شرحت لها ما لديّ من استفسار واستغراب، ابتسمت وقالت ما تقوله قد يكون ممارسات عندكم، ولكن ليس هنا، فالنظام عندنا أن المدرسة لكسب العلم بشكل كامل من تدريس وحتى الواجبات المنزلية، بمعنى أننا نعطيهم الواجبات في الفصل ونتابع حلها مع التلميذ، أما البيت فنتركه للعب، وحتى يستمتع الطفل بعلاقته الاجتماعية مع والديه، ثم قالت - بمزاح وطعن رماح - أنتم لا تريدون في موضوع الواجبات المنزلية زيادة في العلم لأبنائكم بل على الأغلب كي تشغلوهم عن إزعاجكم، وهذا يمنع عنهم الاستمتاع بطفولتهم، وهي جناية كبيرة في حق الطفولة، فهناك الكثير من المواهب لدى الطفل تخرج في اللعب وممارسة الهوايات في المنزل، فإن لم نترك لهم وقتاً، انطفأت جذوة المواهب وذهبت مع الريح، والأجدر أن يكون البيت هو الحاضن للمواهب، وأن من يكتشف ذلك هما الوالدان، وإلا فقد يكون الأطفال عرضة للاكتئاب والملل من التحصيل العلمي مستقبلاً، وقد كنت أصغي إلى كلامها وأراجع نفسي، حيث إن جزءاً كبيراً مما تقوله صحيح، فنحن وإن بدا الاهتمام بالواجبات المنزلية حباً في زيادة العلم، إلا أننا ننسى أننا كأولياء أمور، غير متخصصين في كل المواد، والدليل أننا نلجأ إلى التدريس الخصوصي. لقد أعجبني ذلك النظام، فالمدرسة عملها التعليم، والبيت للترفيه، ترى هل ما يصيب أبناءنا من الطلبة والطالبات من اكتئاب وملل من العلم والدراسة هو بسبب عدم وجود سمة الاستمتاع بالحياة والتوزيع العادل لكل من العلم واللعب والهوايات في البيت أو المدرسة؟، وهل كل جانب يأخذ دوره بالشكل المطلوب؟، لا أدري، ولكن ما زال صدى كلمات مسز سميث باقياً في ذاكرتي.

Dr.mubarakalkuwari@gmail.com
تويتر:kmubarake@