تأثير التجربة الذاتيّة على ما يكتبه الكتّاب والصحفيون والأدباء، في أسفارهم الخاصّة أو العمليّة، لا يزال من المواضيع الذي يستحبّ الكتابة عنها عند أولئك الذين تقتضي ظروفهم التنقّل من بلد لآخر بحكم المهنة أو الهواية أو الدراسة أو المرض لا قدّر الله، مع تفاوت ذلك التأثير من واحد لآخر، لكنها في النهاية تُشكل مصدر إلهام حيناً أو شكوى في حين آخر، وفي الحالتين لا يمكن تجاهل ذلك التأثير، وفرق بين من يسافر ليكتب، ومن يسافر دون أن تكون الكتابة على رأس أولوياته، لكنه لا يُمانع في الكتابة الآنيّة أو اللاحقة عن أسفاره، بما تعنيه من ذكريات أو ملاحظات تشكل مصدر إلهام آنيّ ومستقبليّ.

فالسفر قد يقوم به عامة الناس ولا يعني لهم سوى الاستمتاع بمزاياه، والاستفادة منه في رحلة الحياة، والحياة في النهاية هي رحلة لا بد أن تنتهي في يوم من الأيام، وهنا لا بد من توضيح، فأنا لا أتحدّث عن أدب الرحلات، الذي عرفه قرّاء العربية منذ ابن بطوطة والإدريسي وابن جبير وابن ماجد والمقدسي وغيرهم، ممن أسهموا في اكتشاف العالم كما نعرفه الآن، وهؤلاء وغيرهم سجلوا رحلاتهم فيما سُمّي بأدب الرحلات، لكني أتحدّث عن السفر في هذا العصر الذي حوّل الكتابة عن السفر من تسجيل حرفي لمشاهدات أولئك الرحالة المكتشفين لمجاهل العالم، للتحوّل في العصر الحديث إلى تسجيل للمشاهدات والانطباعات والملاحظات البعيدة عما يُسمّى بأدب الرحلات، فهذه الكتابة أكثر التصاقاً بكتابها، لأنها تعبّر عن تجارب ذاتيّة بحتة دون الاهتمام بإطارها الزماني أو المكاني، كما أنها لا تخلو من عبرة وفائدة لمن لم يسافر إلى تلك الأماكن المكتوب عنها، لتتعرّف عن بُعد على بعض جوانبها.

وتختلف لغة الكتابة عن التجارب الذاتيّة في السفر، باختلاف الكاتب نفسه، فالكاتب أو الصحفي أو الأديب، كلٌ له أسلوبه في الكتابة، ونحن نرى الكاتب يسجّل انطباعات عامّة يقدّمها لقارئه بهدف استنباط العبر والاستفادة وتجنّب مواطن الزلل ومواقع الحذر، بينما يعمد الصحفي إلى كشف الأحداث وتقديمها طازجة تشعر القارئ بسخونتها وعنفوانها، إذ يحكمه هاجس السبق الصحفي للحدث، الذي يُشكل فيه عنصر الزمن عاملاً حاسماً لتحقيق أولوية النشر، دون أن يهتمّ بما في هذا الحدث من عبر أو تحذيرات وما قد يتركه في نفس القارئ من تأثيرات أخرى، بينما الأديب ينظر إلى السفر كمصدر من مصادر إلهامه، يستوحي منها أحداث روايته أو قصته أو قصيدته، أو بحثه النقدي، دون أن يأخذ في الاعتبار مسألة العبرة، ولا العامل الزمني السريع، أو غير ذلك مما هو محل اهتمام الكاتب أو الصحفي.

بل إن الأديب يرى في إلغاء الزمن وسيلة لنضوج الفكرة قبل بلورتها في لون أدبي معيّن، وهو الأمر الذي لا يهتمّ به الكاتب والصحفي. وفي كل هذه الحالات يظلّ السفر ذا تأثير على التجربة الكتابيّة سواء كانت لدى كتّاب الزوايا الصحفيّة، أو من الصحفيين الساعين للاكتشافات - ولا أقول التغطيات - الإخبارية، أو من الأدباء الذين يعتمدون على التأني والتأمّل قبل الكتابة، وهو تأثير يظهر بشكل أو بآخر على القارئ.