لا شك بأن خطاب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى (حفظه الله) كان بمثابة خريطة طريق للمجتمع القطري للانتقال إلى مرحلة جديدة مليئة بالفرص والتحديات التي من شأنها خلق مجتمع ذي نظرة وفاعلية مختلفة عما هو عليه الآن. ومن أجل رسم صورة لهذه الرؤية سوف أتناول عدة نقاط مهمة يجب تسليط الضوء عليها من أجل تحقيق أهداف الاكتفاء الذاتي والذي يتماشى مع رؤية قطر الوطنية ٢٠٣٠.

إن الاكتفاء الذاتي، كمسألة تتعلق بالأمن القومي، هدفٌ طموح لدولة مثل قطر حيث يشكّل رأس المال البشري والموارد الخام الأوليّة تحدياً كبيراً، وهو يتطلب بذل جهود على جبهات عديدة من أجل ضمان عدم تعارضها، يتطلب هذا النهج أكثر من دفعة من العواطف الناتجة عن الخطاب بل يتطلب تخطيطاً استراتيجياً على مستوى مؤسسات الدولة لتحقيق أقصى قدر من الفائدة لهذه الجهود.

وسأحاول أن أسرد، حسب الأولوية، عوامل النجاح الرئيسية لجهود التحول الذي يجب على جميع اللاعبين في البلاد توحيد ودمج خططهم وسياساتهم لتحقيق الأهداف المنشودة.

١- توضيح أهداف وغايات هذا التحول للمجتمع بطريقة مبسّطة من أجل توصيل مفهوم الفكرة لجميع فئات المجتمع باختلاف أعمارهم وثقافاتهم، بما في ذلك الأدوار المحدّدة والمشتركة التي تقوم بها جميع المؤسسات الحكومية.

٢- خلق الوعي حول هذه الأهداف والغايات والأدوار المختلفة بين مختلف القطاعات والفئات العمرية في المجتمع وهنا يجب أن يتضافر دور التعليم ووسائل الإعلام والمنظمات والنظم المرتبطة بها من أجل تصميم جلسات توعية مناسبة لتوحيد صفوف الجميع ودعم التحول إلى الاكتفاء الذاتي ابتداء من مناهج التدريس، لخلق جيل واع قادر على الإبداع في هذا المجال، ومن خلال أيضاً الدورات التدريبية والمُحاضرات العامة لكافة فئات المجتمع لتوجيه جميع الأفراد للعمل على هذه الأهداف، كل من خلال موقعة العملي، ولا ننسى رجال الأعمال والمستثمرين الذين يتطلب منهم مشاركة أكبر في الفترة القادمة لدعم فكرة الاكتفاء الذاتي.

٣ - وبما أن التحول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب قوى وطنية عاملة، فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا وأن ندرك حقيقة أن دولة قطر ليس لديها الكتلة البشرية الكافية لتحقيق هذا الهدف، ولا يمكننا القول بأننا نستطيع فقط الاستمرار باستخدام المزيد من المغتربين والقوى العاملة، حيث إن المسألة ليست فقط في كمية القوى العاملة بل في ولاء وإخلاص القائمين عليها بالإضافة إلى عنصر الاستدامة المطلوبة لنجاح واستمرار مشروع الاكتفاء الذاتي، لذلك يجب إعادة النظر بجديّة في قانون المواطنة والأخذ بعين الاعتبار زيادة عدد ونوعية سكان قطر، أعلم بأن معظمنا لديه آراء مختلفة حول هذا الموضوع الحسّاس، ولكن من أجل تحقيق أهداف خريطة الطريق فلابد من طرح هذا الموضوع للنقاش بكل شفافية، بشرط طرحه من منظور خلق فرص إضافية للاكتفاء الذاتي والقيمة النوعية المضافة إلى البلد في حال تطبيق هذه الفكرة بالشكل الصحيح، ويجب الأخذ بعين الاعتبار التركيبة السكانية لدولة قطر للحفاظ على النسيج الاجتماعي، فمنح الجنسية يجب أن يكون لمن لهم صلة بالمجتمع القطري بشكل أو بآخر. وكل من يستحق الجنسية بما تراه الجهات الرسمية في الدولة حسب اللوائح والقوانين التي تخدم المصلحة العامة وأهداف الاكتفاء الذاتي.

٤ - خلق هيكل تنظيمي وآلية لمتابعة تقدم هذه الرؤية والعمل اللازم من أجل إنجاحها من خلال إضافة أي تعديلات مطلوبة عليها أو إشراك الأطراف المعنية المسؤولة بحسب ما تطلبه هذه الرؤية.

هذه الخطوات المشار إليها أعلاه هي عبارة عن فكرة أو اللبنة الأولى لتحقيق رؤية سمو الأمير، فهي بالطبع قابلة للتعديل بحسب استراتيجية تطبيقها والمدة الزمنية المطلوبة لتنفيذها، علاوة على الحاجة لدراسة بعض التفاصيل لتسهيل عملية خلق آليات تطبيقها.

أتمنى أن تكون رسالتي هذه قد وضّحت الأبعاد المطلوبة لتحقيق رؤية سمو الأمير في الاكتفاء الذاتي.

والله من وراء القصد..