في غمرة السرعة التي تعدو بها الحياة من أمامنا، ظل ذلك الشارع في مكانه، لكن، علامات الحزن واليأس تكاد أن تغتاله، وتحطمه إلى ألف حجر وحجر..

هنا، على الناصية القديمة، وقفت إشارة المرور المائلة إلى الأمام، بعد أن عجزت عن الوقوف في مكانها لعقود عديدة، وهي تراقب البشر الذين يمرون يمينا وشمالا، دون أن يبالوا بها، وبالأتربة التي تراكمت عليها منذ زمن ليس بالقصير..

أمامها، كان هناك حانوت للحلاقة، كانت أنواره مضاءة طوال اليوم والليلة، والموسيقى الهندية تنبعث منه حتى نهاية الشارع، بينما يقف الحلاق ممسكا بموسه الذهبي، يترنح يمنة ويسرة على إيقاع الموسيقى، والابتسامة تتلبسه من رأسه حتى إخمص قدميه..

جميع من في الشارع كان يعرفه، وكان الصغار قبل الكبار يتسابقون إليه، ليساعدهم في التخلص من الشعر الكثيف الذي ينمو فوق رؤوسهم، وعلى وجوههم..

محل الاكسسوارات، كم كان يمتلئ بالفتيات وأمهاتهن، طول العام، حتى أن القادمين لا يملكون موطأ قدم لهم فيه وبخاصة في ليالي الأعياد والمناسبات..

حين يتحرك الناس في الشارع وعلى الرصيف، كان الشارع يرقص طربا، مرحبا بكل الوجوه والأقدام الصديقة والغريبة، متفائلا بزحمة الحياة، منتشيا من بهجة الليل وأنواره التي لا تنطفئ حتى الصباح..

دكان الفلافل، والمخبز الملاصق له، كلاهما كانا موضعين للزحام وللبشر المتوافدين على بابه، سعيا وراء أقراص الفلافل الساخنة، والخبز الطازج الذي يخرج من الفرن ليحل بين أيدي المرتادين، والباحثين عن ما يحملونه لأبنائهم وعائلاتهم، وخاصة في ليالي الشتاء الباردة..

كان أهل الشارع الذين اعتادوا على الزحام والضجيج، يخرجون من بيوتهم المشرعة الأبواب، ليشاركوا هؤلاء المبتهجين بالمشي على طول الشارع كله، ينتقون من هذا المحل وذلك المحل الآخر، وهم يتخيرون بين هذا وذاك، بينما يقف صبي السنبوسة في وسط الشارع تقريبا، ليلبي طلبات القادمين في سياراتهم من السنبوسة الساخنة..

الآن، هناك حاجز عال وطويل يغطي المباني السكنية والحوانيت المغلقة، لإزالة تلك المنشآت التي مضى عليها العمر والزمن، فأصبحت تشتاق لبصمة من التعافي واسترداد الأمل الذي رحل.. واسترداد جزء من السعادة التي غربت مع غروب الشمس وغروب الأمس الذي لن يعود أبدا..

لكنها في الحقيقة، الحياة، جزء بسيط من الحياة التي يجب التعود عليها ومجاراتها، وخاصة أن الأيام تدور وتدور دون توقف، وعقارب الساعة لا يمكنها العودة إلى الخلف..

إنه التغيير.. الذي لابد أن يتفوق على آهات الزمن ونحيبه، ويعيد الأصالة إلى مواقع جديدة، متفوقة على مثيلاتها السابقة، ومتحدية غبار الأيام والتخلف..

إنها الإشراقة الجديدة لكل الأحزان الساكنة بين جنبينا، والآمال الجديدة التي يمكنها أن تحطم الأحزان والأحقاد، وتعيد لنا الدفء، وتلم لنا الشمل للأحباب والمنتظرين لقاءنا، على الجانب الآخر من الرصيف..

hissaalawadi@yahoo.com