الانتصار للعلوم التطبيقية أمر لا غبار عليه فالدول المتقدمة اعتمدت على قوتها العلمية لإثبات جدارتها في قيادة العالم، لكن ومن وجهة نظر خاصة تظل العلوم الإنسانية هي الأجدر بالانتصار لها في ظل تنامي القوى الغاشمة التي تستمد مقوماتها من مادية تفرضها العلوم التطبيقية، دون سند أخلاقي أو قيمي يتمثل في تأصيل مفاهيم معرفية قادرة على استيعاب التطور التقني الذي يشهده عالم اليوم، وهو بأمس الحاجة إلى هذه القيم المعرفية التي تنبع في الغالب من العلوم الإنسانية التي توازن بين الحاجة وأخلاقيات طرق تلبية هذه الحاجة، لأن مقاييس التقدم التقني لا يمكن أن تحقق أهدافاً إنسانية رفيعة المستوى ما لم تستند أساساً على قيم أخلاقية معرفية غالبًا ما يكون مرجعها العلوم الإنسانية في الدرجة الأولى، لأن العلوم الإنسانية هي المعنية بالتربية المعرفية التي تؤسس لمفاهيم أخلاقية يحتاجها عالم اليوم بدرجة تفوق حاجته أي تقنية يذهب ضحيتها البشر دون هوادة.

الدول التي تصنع الأسلحة بحاجة إلى قيم إنسانية تتيح لها تقدير الظروف التي تستفيد فيها من هذه الأسلحة، لكن غلبة نوازع الشر أحياناً، تحيل هذه الأسلحة إلى أسلحة دمار شامل تبيد البشر والشجر والحجر، وهو أمر يتعارض من القيم الإنسانية التي لا يمكن العثور عليها في مصانع الأسلحة، ولكن في كليات العلوم الإنسانية، والعالم في هرولته المحمومة نحو المزيد من التقدم التقني ينسى تلك القيم التي تضمن له الاستفادة من هذه التقنية في تأصيل قيم المحبة والأمن والسلام، في المجتمعات البشرية.

وإخضاع العلوم البحتة لرقابة العلوم الإنسانية هو بداية الطريق الصحيح لتصحيح أوضاع العالم المضطربة، لأن الإنسان الذي يوجه إمكانياته المادية لتحقيق أهداف غير إنسانية هو بحد ذاته سلاح بشري فتاك، لم يخضع لفلترة متوازنة من القيم الإنسانية، ولا لسلوك منضبط من القيم الأخلاقية، لأن طغيان الهدف المادي قد حجب عن ناظريه عواقب تصرفه، لذلك تظل العلوم الإنسانية هي الحاضنة للحضارة، والراعية لكل توجهاتها، والمراقبة لكل سلوكياتها، فهي التي تدق ناقوس الخطر، إذا ما لمحت أي انحراف قد تجلبه تقنيات العصر، ما قد يضر بالبشرية أو يسيء إلى موروثها الأخلاقي، وما الحروب والكوارث والفتن الناجمة عن سوء تصرف الإنسان، إلا نتيجة طبيعية لغياب سيطرة العلوم الإنسانية على سلوك من يقفون وراء تلك الحروب والكوارث والفتن، ومن يتوقع انهيار العالم يعتمد على احتمالات تخلي البشر عن قيمهم الأخلاقية التي تنضبط بموجبها تصرفات أصحاب القرار، وعندما ينفلت زمام الأمور في ظل تجاهل القيم الأخلاقية، فقل على العالم السلام، وحينها لا يكون هناك فرق، لأن الدمار الشامل سيكون من نصيب الجميع لا قدر الله.

نعم العالم يحتاج إلى الانطلاقة التقنية المتلاحقة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج أكثر لترسيخ قيم العلوم الإنسانية للوصول إلى حالة معرفية، يمكنها أن تستوعب وترعى ما تقدمة التقنية المعاصرة لعالم اليوم، فالعلم مهم، لكن المعرفة أكثر أهمية.