أناسٌ يموتون من الجوع، وأناسٌ يموتون من الشبع، من يموتون من الجوع معروفة أسباب موتهم، لكن من يموتون من الشبع، قلّما يحظون بالتحذيرات التي تجنّبهم الوقوع في براثن المرض المؤدّي إلى الموت؛ نحن نعرف أن الموت بيد الله، وأن الأعمار محدودة، لكن هذا لا يمنع من أن يعيش الإنسان عمراً وهو بعيد عن الأمراض والأسقام والمتاعب، والسبب هنا هو سوء التغذية، وعبثية النظام الغذائي الذي يتبعه البعض، والذين لا يعرفون وقتاً مناسباً، ولا طعاماً مغذياً، همّهم هو ملء المعدة عند الشعور بالجوع، مع أن المعدة بيت الداء والحمية الدواء، ومن معاني الحمية تنظيم مواعيد وقت الأكل في اليوم، والمحافظة على هذه المواعيد بشكل دقيق ومُلزم خاصة أن اضطراب مواعيد الأكل لا يسبّب سوء التغدية فقط، بل يؤثّر أيضاً على سلوك الإنسان في العمل، وتعامله مع الآخرين، يُلازم ذلك شعور بالخمول وعدم الرضا والنفور من الآخر.

وتحرص المؤسسات الناجحة على تحديد وقت للغداء لموظفيها، ولا تسمح لهم بتناول الطعام في الخارج في غير هذا الوقت وهم على رأس العمل، بعد أن أثبتت التجارب أن اضطراب وقت الطعام يُؤثر على إنتاجية العامل، فيُمنح فترة استراحة في منتصف ساعات العمل، ليتناول طعامه ويستعيد نشاطه، ليكمل بعد ذلك ساعات عمله بنشاط وحيوية، وفي اليابان يُمنح العمّال فترة للنوم بين ساعات العمل، وما ذلك إلا لاستعادة النشاط، والإقبال على العمل لتحقيق إنتاجية أفضل.

في مجتمعاتنا العربية لا نعرف تنظيم أوقات الطعام، ولا نعرف الاستراحة بين ساعات العمل، حيث يُواصل المُوظّفون العمل من بداية الدوام وحتّى نهايته، لا وقت للأكل، ولا وقت للاستراحة، وهم هنا بين نارَين، إما العمل كالآلة دون توقّف طوال ساعات العمل لتحقيق إنتاجية أفضل، أو الاسترخاء طوال ساعات العمل، دون إنتاجية تذكر، والنتائج السلبية في الحالتين إحداهما أسوأ من الأخرى، من يعمل كالآلة سيقدّم الثمن من صحته، ومن يعمل باسترخاء سينعكس ذلك على أدائه الوظيفيّ، ولا يؤدّي سوى نسبة ضئيلة من العمل المطلوب منه. فلماذا لا يكون وقت الأكل والراحة مُنتظماً في جميع الدوائر والمؤسسات والشركات الحكومية والأهلية، وفي ساعة معيّنة توافق منتصف مدة الدوام الرسمي، ويشمل وقت صلاة الظهر، التي يتخذها بعض الموظفين ذريعة للهروب من المُراجعين، فإن كانت في وقت محدّد فذلك سيكون في اعتبار المُراجعين، ولا يتسبّبون في الإحراج لأنفسهم أو للموظفين.

ووجود ساعة راحة على جدول العمل في كل مؤسسة سواء كانت كبيرة، أو صغيرة، سيؤدّي حتماً إلى تحسين الإنتاج لدى الموظف، ويبعده عن التكاسل أو الإرهاق الناجمين عن ضغط العمل المتواصل طوال ساعات الدوام الرسمي.

طبعاً المسألة تحتاج إلى دراسة متأنية وعميقة لهذا المقترح، وأظنّ أن الجهات المعنية أكثر حرصاً من غيرها على راحة المُوظّفين والمُراجعين في الوقت نفسه.

والله ولي التوفيق