تدور على الألسنة عبارة الأثر المشهور: البيّنة على من ادعى واليمين على من أنكر، هذه العبارة على أهميتها البالغة وإن مثلت قاعدة رئيسيّة من قواعد الإثبات، فإنها لا تُمثل جميع مسائله. فالإثبات كما هو معلوم: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حدَّدها القانون على وجود واقعة قانونيّة هي محل نزاع في خصومة قائمة. ولأهمية الإثبات قالوا إن الحق يتجرّد من قيمته إذا لم يقم الدليل عليه، بل هو والعدم سواء، والواقع أن الدليل هو قِوام حياة الحق ومَعْقد النفع منه. لذلك فإن الإثبات من بين أهم فروع القانون، وما ذاك إلاّ لكونه أكثرها تطبيقًا في الحياة العملية، بل إن المحاكم لا تنقطع عن تطبيق أحكام الإثبات بصفةٍ مستمرّة في جميع ما يطرح أمامها من قضايا.

وقد تفاوتت مناهج التشريع المقارن في الموضع الذي يجب أن تحتله قواعد الإثبات، فمنها ما جمع قواعد الإثبات الموضوعية والإجرائيّة ضمن تقنين المرافعات، وقد صنع ذلك القانون الألماني والقانون السويسري، وجاء قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري موافقًا لهذا النهج، فضمّ بين دفَّتيه جميع مواد الإثبات التي احتلت الكتاب الثاني من القانون، مبسوطة من المادة (211) إلى المادة (361).

بينما تنازعها في بعض التشريعات قانونان، حيث أدرج المشرع القواعد الموضوعيّة في التقنين المدني، والقواعد الشكلية في تقنين المرافعات، وقد كان التشريع المصري قبل عام 1968 على هذا النهج، وقبله القانون الفرنسي، وأكثر الشرائع اللاتينية.

وطائفة ثالثة أفردت قواعد الإثبات جميعًا الموضوعية والشكلية في قانون خاص، وعلى هذا الوضع سار القانون المصري أخيرًا، وقيل إنه نهج القانون الإنجليزي والأمريكي.

وبمناسبة إعادة النظر في قواعد الإثبات في القانون القطري، فقد رأيت من باب المساهمة، الإدلاء بالرأي في هذا المقال بما أراه، وهو الإبقاء على الوضع القائم في قانون المرافعات، وذلك للمرجّحات الآتية:

 

1- إن هذا الوضع هو الذي استقرّ عليه التشريع القطري منذ ما يُناهز ربع قرن من الزمان، حتى صار وضعًا مألوفًا ومعتادًا عند المُشتغلين بالقانون. وإن مراعاة المألوف، والاحتكام إلى المعتاد، أصل مستقر في العمل التشريعي، فما نشأت كثير من قواعد القانون، ولاسيما في الحقل التجاري، إلاّ تقنينًا لما ألفه الناس ودرجوا عليه في عاداتهم.

 

2- إن مناسبة تقنين المرافعات ليكون حاويًا جميع قواعد الإثبات أمرٌ في غاية الوضوح، فإن تقديم الأدلة وتطبيق قواعد الإثبات في الأعمال القضائية المدنية يأتي في المرحلتين الوسطى والأخيرة من مراحل نظر الدعوى، وتحديدًا ما بعد رفعها، وقبل الحكم فيها. ومن هنا لا يجد المُشتغل بالقانون محاميًا أو قاضيًا أيّ عناء في الرجوع إلى قانون واحد يستقي منه أحكام إجراءات الخصومة وأحكام الإثبات معًا.

 

3- درج الشرّاح على القول بأن المشرّع المصري حينما استقلّ بقواعد الإثبات في قانون خاص كان مقتديًا بالمشرع السوري، وأن هذا الأخير اختار النهج الذي سار عليه المشرع الأمريكي! ولا شك أن هذا النظر غير سديد، لأن المشرع الأمريكي إنما أفرد قانونًا خاصًا لقواعد الإثبات في جميع فروع القانون المدنية والتجارية والجنائية، وليس هذا هو الذي صنعه المشرع العربي، فإن قانون الإثبات العربي محصور في المواد المدنية، وعلى ذلك فإن التشريع العربي يكون معيبًا بعدم الاتساق، حيث أفرد قواعد الإثبات المدنية في قانون مستقل، وأبقى قواعد الإثبات الجنائية في قانون الإجراءات أو أصول المحاكمات الجنائية. وقد انتقد الدكتور السنهوري في الوجيز سنة 1966م ذلك الاتجاه الذي كان مطروحًا في حينه نحو إفراد قواعد الإثبات بقانون مستقل: بأن فيه غفلة عمّا لابس النهج الذي سار عليه القانون الانجلوسكسوني من اعتبارات تاريخية خاصةٍ به.

أما التشريع القطري فقد جاء متناسقًا حيث ضمّ قواعد الإثبات المدنية إلى تقنين المرافعات، وجعل قواعد الإثبات الجنائية في قانون الإجراءات الجنائية.

 

4- يرى الفقه الحديث أن قواعد الإثبات أيًا كانت ذات طبيعة واحدة، وتكون جزءًا لا يتجزأ من قانون القضاء المدني، حسبما قرّر ذلك الدكتور فتحي والي في الوسيط، ذلك أن قواعد الإثبات بطبيعتها لا تنطبق إلاّ في الخصومة للحصول على الحماية القضائية للحق، ولهذا: فإن جميع قواعد الإثبات تعتبر إجرائية متعلقة بالخصومة. وما رُدّ به عليه لا يعدو أن يكون من قبيل لوازم القول، والقاعدة أن لازم القول غير لازم. فالأستاذ لم يقل إن قواعد الإثبات من إجراءات التقاضي، ولكن قال إنها تعتبر إجرائية متعلقة بالخصومة، وشتان ما بين الشيء في ذاته، وبين المتعلق به.

وليس من الحكمة الإغراق في التفريق ما بين القاعدة الموضوعية والقاعدة الشكلية، وبالتالي تصوّر أن وضع قواعد الإثبات في قانون المرافعات يعني تغليب الناحية الشكلية على الناحية الموضوعية، فإن قواعد الإثبات مهما قيل بالتنويع فيها تعمل جميعها في إطار النشاط القضائي نحو فضّ المنازعات، وهذا مراد الأستاذ بقوله: إنها متعلقة بالخصومة، وليست من الخصومة ذاتها، أن الخصومة لا تُحَلّ إلاّ بها. وذاك مراده أيضًا بقوله: إنها جزء لا يتجزأ من قانون القضاء المدني، لأن القضاء من وظيفة الدولة، وإن من هذه الوظيفة حق الدولة في أن تنظم بنصوص قانونية خاصة أدلة الإثبات وإجراءات تقديمها، وذلك في إطار الخُطة التي يجب أن يترسّمها المتقاضون، فمن سيلجأ إلى القضاء بطريق التداعي، عليه أن يستبين كيف يكون السبيل للحصول على حقه، وما الوسيلة لإثباته، والنتائج التي يمكن أن يترتب عليها في فض المنازعة وكسب الدعوى.

إن قواعد الإثبات بأقسامها إنما تُطبّق في داخل الدعوى، والدعوى هي وسيلة حماية الحق، وعنصر من عناصره، وإذا كان قانون المرافعات هو الموضع الطبيعي الذي تنظّم فيه الدعوى، فإنه في الوقت نفسه، وبالتبعية لذلك، هو الموضع اللائق الذي ينبغي أن تنظّم فيه قواعد الإثبات، كما هو عليه قانوننا الحالي.

 

عميد كلية القانون