الصياغة القانونية طريقةٌ للتعبير عن موضوعٍ ما بلغة القانون . ولغة القانون هي اصطلاحاته المتعارف عليها في الأداء التشريعي وفي عبارات الفقه وأساليب القضاء.

ولما كان القانون علماً مستقلاً بأنواعه وأصوله وقواعده، فإن لغة البيان القانوني لغة علمية، يجب استعمالها والحرص عليها في كل ما يتصل بشؤون القانون وموضوعاته.

ولئن كان من الملاحظ أن فن الصياغة القانونية لم يُطْرق بعد في أوساط الدراسات الأكاديمية، ولم يُفرد له بين فروعها قواعد تجعله علماً مستقلاً، بمناهج خاصة، فإن ذلك لا يقلل من أهمية هذا الفن العلمي، الذي يجب أن نوليه من الأهمية ما يحتل معها المكانة اللائقة به بين الدراسات القانونية، وعلى ذات الدرجة التي يحتلها في المؤلفات والأبحاث العلمية عند الغربيين.

ولعلّ عذر القائمين على شؤون التعليم، أن مفردات الصياغة يكتسبها الدارس للقانون أثناء الدراسة، وأن تحصيله لها يتجدّد بقدر اهتمامه باستيعاب المصطلح القانوني الذي يمرّ به في الفروع المقررة، ثم لابد لتلك المفردات أن تترسخ في ذهنه بعد انتقال الدارس إلى محيط العمل بقدر التطبيقات التي ينشغل بها.

والواقع أن هذه الحجة، إن صحّت بالنسبة لطائفه قليلة من المنتسبين للقانون، فإنها لا تصْدق بالنسبة للباقين، وهم الأغلبية الغالبة، ممن يظهر جلياً في إحجامهم عن القيام بمهام الصياغة، لا في قليل أو كثير، من الأعمال القانونية . وحتى من شارك منهم في الصياغة، فإن مشاركته تشف عن قصور في مراتب الأداء وتدل على عجزٍ عن الوصول إلى درجة الإتقان.

ولاشك أن تقرير قواعد هذا الفرع العلمي في الدراسة الأكاديمية، كفيل بأن ينبه تلك الأغلبية إلى وجوب الاهتمام بفن الصياغة، والاقتراب من روافدها الكفيلة بصقل مواهب المتلقّي، وإعداده لبلوغ درجة متقدمة في احترافه المهني .

إن ملكة البيان من حيث الأصل موهبة شائعة، يحظى معظم الناس بها على تفاوتٍ بينهم، ولكنها ملكة لا تنمو حتى تصبح عادةً راسخة، إلاّ إذا صقلتها مجموعة من الروافد الشخصية والعلمية، فالبيان في الأصل يحتاج إلى صورٍ وأَخْيلة، وأبادر فأقول بأنني لا أعني بها الصور الروائية، والأخيلة الشعرية، ولكن أعني بها القدرة الذهنية على توليد القياس المنطقي، وتوظيف الوقائع الشبيهة على ما هو مطروح عليه، وأجلى ما يكون ذلك على صعيد الصياغة القانونية في حقل المرافعات القضائية، كما أعني بها القدرة الذهنية على الاسترسال في الفرضيات واللوازم العقلية، لاسيما عند قراع الحجج في معترك الإقناع القضائي، وغير خافٍ أن هذه المكونات لا يستمدها الذهن من مرجع أو كتاب، ولكنها بنت النفس المتعطّشة إلى مراتب البيان.

كذلك يجد المتصدّي للصياغة القانونية في علوم القانون رافداً آخر، يضاف إلى عالم الذهن الشخصي وصفاء منطلقاته، وهي العلوم التي تبصّره باصطلاح الكلمة القانونية من جهة، وتعينه على تركيب الجملة القانونية من جهة أخرى. فالألفاظ ليست وليدة الفكر، كما هو الحال بالنسبة للمعاني، لأن عماد اللفظ الرواية والاستعمال، فالصائغ يتعامل مع المنثور اللغوي المتعارف عليه في فنّه، ولا يستعمل من القوالب اللفظية إلاّ ما ارتضاه أهل الاختصاص وتداولوه بينهم. وإذا شاء أن يلجأ إلى الابتكار، بتوظيف مفردةٍ غريبة في السياق القانوني، فله ذلك بقدر ما يستغلها الوسط القانوني، وإلاّ أضحت فيما بعد لفظاً مهجوراً، والعبارات الغريبة أو المهجورة لا تخدم فنّ الصياغة، ولا تدنو به إلى الأفهام البسيطة.

وأحسب أن الرافد العلمي لا يقف عند المنهل القانوني، وإنما تشترك معه علوم أخرى ذات ارتباط باللغة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا، لاسيما إذا كانت الصياغة متصلة بالدساتير والمعاهدات الدولية، فمن العلوم ما تمسّ الحاجة إليها بصفةٍ عامة كعلوم اللغة، ومنها ما تكون الحاجة إليها بصفةٍ خاصة تتصل بطائفةٍ محدودة من موضوعات الصياغة .

ويعتبر فن الصياغة صناعةً لها ضوابط وأصول تسوس فروعها، وتهيمن على مقاطع أجزائها، كما هو الشأن في سائر الفنون العلمية. وإطلاق وصف الصناعة على عمل الصياغة يشير إلى الجانب الاحترافي في ذلك العمل، فالصياغة ركن جوهري وجزء أصيل في مكوّنات الوظائف والمهن القانونية. ومردّ ذلك إلى أن العمل القانوني أمسى عملاً توثيقياً يقوم في معظمه على الكتابة، سواء في التشريع، أو الإدارة، أو القضاء، أو في جانب المعاملات المدنية والتجارية.

ولقد واكبت حركة التدوين تطوّر الحياة الإنسانية عبر التاريخ، إلى أن وصل رقيها وانتشارها إلى ما وصل إليه ركب الإنسانية من حضارةٍ وتقدم، آية ذلك في تاريخ القانون أن القاعدة القانونية كانت في مهدها قاعدةً تستند إلى العرف ومبادئ العدالة، ثم أخذت تتبلور في مظهرها المادي إلى أن أصبحت تشريعاً مكتوباً. وما يُقال عن التشريع غير المكتوب في بعض الدول لم يعد مقبولاً في العصر الحديث إلاّ بمقدار ما ينظر إليه على أنه من قبيل التقاليد القانونية، ومع ذلك فقد عمّت التشريعات المكتوبة الدول المعاصرة، سواء أكانت تابعة للنهج الانجلوسكسوني أو النهج اللاتيني.

وقد اشتهر فن الصياغة في ظلال الفقه الإسلامي منذ فجر التشريع، حيث صاحب نشوء الدولة الإسلامية، فواكب ولاية القضاء الشرعي ظهور دراسات فقهية متخصصة في فن الوثائق، وكانت الوثيقة صياغةً وموضوعاً مادةً من مواد العلم الشرعي، لاسيما للأشخاص المتصدّرين لكتابة الوثيقة، ويعتبر تطور الوثيقة الشرعية جزءاً أصيلاً من تاريخ الفقه الإسلامي لم ينل حظّه من الشهرة والذيوع.

أستاذ القانون التجاري المساعد

كلية القانون - جامعة قطر