عندما تذهب الأيام وتصبح ذكراها من أيام زمان نقول عنها «أين أنت يا زمان الأندلس؟»، والأندلس هي بلاد الإسبان الآن التي حكمها العرب قرابة 700 سنة، أي 7 قرون، ومنها خرجت الروائع العلمية والثقافية والأدبية والتراثية والطبيّة والفنية وأشياء كثيرة مما ينفع الناس ويتغنى به الغرب الآن ويعتبره من اختراعاته، وحسبما جرت العادة من قديم الزمان إلى الآن ونحن «الطوفة الهبيطة» نجر وراءنا ذيول الخيبة والمهانة، ومن هذا الباب الضيّق ندخل إلى ماضينا إلى تلك الأيام الصعبة والسهلة، المرة والحلوة، القاتمة والمنيرة، الضعيفة والقوية، تلك الأيام كانت صعبة، ولكنها في الوقت نفسه سهلة في كل شيء حتى أنك تستطيع أن تصل إلى أي إنسان مهما كان، دون عناء أو مشقة، فبرغم أنها كانت مرّة لكن حلاوتها في الألفة والمحبّة والمودة السائدة بين الناس من صغير وكبير ومن رجال ونساء وقاتمة ومظلمة، لأن الإنسان إذا تغدّى لا يدري هل سيتعشى أم لا؟، لكنها كانت نيّرة بفضل الإيمان الذي يلف ويحف كل الناس، فربما أيامهم ولياليهم مُظلمة، لكنّ قلوبَهم منيرة ومستبشرة بفضل التواصل والمحبّة التي بينهم، فتجدهم فقراء لكنهم أغنياء بكرمهم وكبريائهم وأقوياء بعزيمتهم، فقد تحدّوا البحر وأهواله وأمواجه وأخذوا منه درره وبنوا منه اقتصادهم وأثبتوا وجودهم، وتحدّوا الصحراء بكبريائها وهوائها وسمومها وشحّها وقحطها، وتحلّوا بشجاعتها وبعاداتها وأخلاقها وكرمها وشهامتها وحُسن ضيافتها وذودها عن المظلوم. تلك هي أيام الأندلس أو أيام زمان، وأيام زمان هي أيام التصافي والبساطة والتقارب في العادات والتقاليد والمأكل والمشرب والبيت والمسجد، الجار يسمع جاره والجارة تسمع جارتها، القلوب متلاصقة والبيوت متلاصقة والدور والغرف متلاصقة، فتقول الجارة لجارتها إذا أحسست بأي شيء «طقي علي دفعة الدار» أي خبطي أو اضربي جانب داركم فأسمعك فأكون عندك في التو واللحظة، كذلك الرجل إذا سمع جاره يعطس وقال الحمد لله قال له يرحمك الله فيرد عليه جاره يهديني ويهديكم الله، هذا هو زمان أول زمان الأندلس، فإذا كان الزمان لا يعود كما يقولون إلى الوراء، فالحب والتصافي والمحبّة والإصرار والعزيمة ونسيان مآسي الماضي وخلافاته والنظر والتفكر في المستقبل والعمل على تطويره وتحسينه والزهد في هذه الحياة الفانية، تجعل الحاضر أحلى وأجمل من الماضي، والباقيات للصالحات.. وسوالف.
  
كاتب وباحث في الموروث الشعبي