تتبادل اللغاتُ مفرداتٍ من بعضها البعض، وقد لا تخلو لغة ما من وجود كلمات مُقترَضة من لغة أخرى، ممّا يأخذنا إلى الجزم بالقول: إنّ ظاهرة الاقتراض طبيعيّة بين اللغات، ولا يمكن إنكارها أو التغافل عنها، وهذا الأمر “من الثوابت المسلَّم بها اليوم في مجال اللسانيّات لأنّ التقارض بين اللغات ظاهرة طبيعيّة وليس حالة لغويّة شاذّة، فما من لغة تستطيع أن تخلص من تأثير غيرها من اللغات”(1).

واللغة العربيّة كغيرها من اللغات تتّسم بتلك الظاهرة، فقد اقترضت من غيرها كلمات عديدة، وكذلك أقرضت اللغات الأخرى من كلماتها، بحكم الجوار الطبيعيّ والتعايش والتبادل والتأثير التجاريّ والحربيّ والدينيّ، ولطبيعة جوار المجتمعات ذات اللغات المختلفة من حيث البعد والقرب الجغرافيّ أثر في كمّيّة الاقتراض، فاللغات المتجاورة تأخذ من بعضها أكثر ممّا تأخذه من اللغات البعيدة، كما هو حال اللاتينيّة التي “اقتبست من الإغريقيّة القديمة أكثر ممّا اقتبسته من أيّ لغة أخرى؛ وذلك لتجاور منطقتيهما وشدّة الامتزاج بين الشعبين الناطقين بهما، ولهذا السبب نفسه بلغت حركة التبادل اللغويّ أقصى شدّتها بين العربيّة والفارسيّة والتركيّة”(2).

والإقراض والاقتراض يكونان نتيجة التأثّر والتأثير بين المجتمعات الإنسانيّة، وعامل قوّة أهل اللغة من أبرز العوامل التي تجعل اللغة مقرِضة لغيرها أكثر من كونها مقترِضة، وعندما كانت الأمّة العربيّة في أوج قوّتها وامتدّ نفوذها لبلاد عديدة وبقاع شاسعة، فانتشرت معهم اللغة العربيّة، وتركت آثارها على لغات تلك البلاد، فقد كان لها تأثير على لغات المجتمعات الإسلاميّة، كالفارسيّة والتركيّة والأمازيغيّة والكرديّة والأورديّة، أو التي امتدّت إليها سلطة الدولة العربيّة كالإسبانيّة.

والتأثير اللغويّ على الشعوب الإسلاميّة غير العربيّة هو من عامل دينيّ؛ لأنّ ممارسة كثير من العبادات لا تكون إلّا باللغة العربيّة؛ فدخول كثير من المصطلحات الإسلاميّة إلى تلك اللغات نتيجة الحاجة لتأدية الطقوس الدينيّة، وأكثر اللغات اقتراضاً من العربيّة لغات الأمم المجاورة، مثل الفارسيّة والتركيّة نتيجة الجوار والعامل الدينيّ.

وامتدّ أثر الاقتراض إلى لغات الأمم الأخرى كالإنجليزيّة والفرنسيّة، وقد أصدر الودغيريّ قاموساً تأثيليّاً في جزأين باسم “العربيّات المغترِبات” للألفاظ الفرنسيّة ذات الأصل العربيّ أو المعرّب، مكوّناً من 2194 مدخلاً، ووصل بجميع المداخل ومشتقّاتها وصيغها إلى 7353 كلمة، ليست كلّها مستعملة اليوم، ولكنّها مثبتة في القواميس الفرنسيّة القديمة أو الحديثة.

ومن المقترضات التي اقترضتها اللغات الأخرى من العربيّة، في الإنجليزيّة، مثل: أمير البحر أصبحت (Admiral)، والقهوة (Coffee)، والجبر (Algebra)، والسكّر (Sugar)، والجرّة (Jar)، والجمل (Camel)، والقطن (Cotton)، وفي الفرنسيّة: أمير البحر (Amiral)، والجرّة (Jarre)، والمخزن (Magasin)، وفي الإسبانيّة: الزيت (Aceite)، والسكّر(Azucar)، والساقية (Acequia)، وفي البرتغاليّة: الرمّان (Roman)، والمُدّ (Almude)، والبردعة (Albarda) (3).

فيُلاحظ هنا تأثير اللغة العربيّة في اللغات الأخرى، التي تبيّن صلة المجتمعات ببعضها وبلغاتها، فتكتسب اللغات من بعضها البعض، ويزيدها ذلك غنى إن بقي في حدود آمنة لا تصل لدرجة الخطر الذي يُهدِّد اللغة المُقترِضة.

----------------------------
(1) ابن مراد، إبراهيم (2009)، دراسات في المُعجم العربيّ، تونس: دار الغرب الإسلاميّ.
(2) وافي، عليّ عبد الواحد (1983)، اللغة والمجتمع، جدّة: مكتبة عكاظ.
(3) اليسوعيّ، رفائيل نخلة (2011)، غرائب اللغة العربيّة، بيروت: دار المشرق.

@intesar_alsaif