للشاعر أدواته التي ينقش بها كلماته ويرسم بها أفكاره، ومنها الرمز الذي يستخدمه بغرض الإفلات من رقابة سلطة ما والهروب منها؛ كي لا يُفهم ما يقول؛ فيقع ضحيّة الصراحة والوضوح، أو يستخدمه ليبرز براعته؛ وليقدح شرر الاكتشاف لدى القارئ؛ ليكون شعره مختلفاً عن غيره.

وقد يتلقّف الشاعر شيئاً من حوله ويصنع منه رمزاً، ويحيطه بهالة من الغموض، فيخبِّئ خلف المعنى الظاهر معاني عميقة يبثّها بين جنبات أبياته لا تطفو على السطح، ومن ذلك الرموز العديدة في “أنشودة المطر” لبدر شاكر السيّاب، فالقارئ لقصيدته يرى أنينه وجعاً على العراق، وقد كثّفَ الرموز وأغدقَ، فتعدّدت التفسيرات لرموزه، فالمطر فُسِّر بأنّه الخصب والعطاء، أو أنّه تعبير عن الانتفاضة التي يريدها أن تهطل كالمطر على الاستعمار والظلم والفقر والجوع، وغير ذلك من الرموز كالأمّ والطفل في القصيدة.

ولكن ما أبحث عنه من تلك الرموز في قصيدته الرمز الذي أراده من النخيل، لا أعلم لماذا تخدش فكري هذه الكلمات كلّما أبصرت نخلة، فيتّقد في داخلي شعور البحث عن تفسير لرمزيّة النخيل، وتشبيه العينين بهما، وقد شغلني هذا الرمز مراراً، فكلّما أبصرت نخلة تذكّرت قصيدته، وأنشدت مطلعها:

عيناكِ غابتَا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمرْ
عيناكِ حينَ تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء... كالأقمار في نهَرْ

فهو بدأ قصيدته بتشبيه العينين بغابة نخيل، فيبدو أوّل وهلة أنّه متغزّل بامرأة، بينما هو يريد العراق المشهور بنخيله الكثيف، فتلك الحبيبة ذات العينين الفاتنتين هي العراق، وهذا التشبيه تشبيه العيون بالنخيل لم يسبقه إليه أحد، فالشعراء أُغرِموا بوصف العيون بعيون المها والظباء، ووصفوا جمالَها وصَرْعَها لذوي الألباب، لكن أن تُشبَّه بغابة نخيل! فهذا رمز أتى به السيّاب لغاية في نفسه، فغرس في قصيدته رموزاً تُحيّر القرّاء، فجعل صدى كلماته يدندن في أذاننا كلّ حين.

فماذا أراد بالنخيل؟ وهل تفسيرنا وتفسير غيرنا لذلك الرمز سيكون صائباً وموافقاً لمراد السيّاب، أم سيكون محاولة للتخلّص من حيرةِ الرمزيةِ التي أوقعنا بها؟ قد نجبر عجزنا عن التأويل بأن نقول إنّه أراد بالنخيل بلده العراق، عراق الشموخ والخصب والعطاء والثبات والتاريخ، يريد أن يعود بلده شامخاً كالنخلة، خصباً معطاءً كعناقيدها، ثابتاً كجذعها أصيلاً راسخاً كجذورها.

وقد عاد مرّة أخرى في قصيدته إلى النخيل، يريدها أن تشرب ذلك المطر؛ لتفيض انتفاضةً تصرع الاستعمار والظالمين واللصوص، يقول:

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ
وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
مطر...
مطر...
مطر ...

فهو يأمل أن يتبلّل العراق بمطر ينفضه ويحرّكه فيجعله يثور منشداً مكافحاً، ليستفيق ويبسم لتورق الكروم، وتعود الأمّ لطفلها، وتعود منافع الخليج من لآلئ وثروات لأهله وليس للغربان، فهو يريد أن يبتسم الأمل ويعمّ الخير، فيرقص الفرح في بلده كرقصة الأطفال الذين ينشدون تحت المطر:

وكَرْكَرَ الأطفالُ في عرائش الكروم،
ودَغْدَغَت صمت العصافير على الشجرْ
أنشودةُ المطرْ

فتلك العينان اللتان كغابة النخيل الهادئة مع إطلالة الفجر، هما عينا العراق وذلك النخيل هو العراق الذي أثارَ هَدْأَته المطرُ فارتجّ سعف النخيل؛ ليطرد الغربان والجراد عن حقوله وثرواته، ويزيل المطر دموع البائسين المالحة بعذوبته، فينشدون: مطر... مطر... مطر...
  
intesar_alsaif@