من عجائب العصر أن ترى حامل أعلى الشهادات الجامعيّة، إذا خرج الحديث عن تخصصه، تاه في دروب الكلام، ولم يفقه شيئاً مما يدور حوله من أحداث سواء ما كان منها في محيطه الاجتماعيّ والوطنيّ، أو في المُحيط الإنسانيّ والعالميّ، لأنه قليل الثقافة العامّة التي لا يُمكن الحصول عليها بواسطة التخصص الأكاديميّ بل بالقراءة وتثقيف الذات، والتفاعل الإيجابي مع ما يدور من أحداث، وذلك الانغلاق الثقافيّ إن صحّت التسمية يتمثل أيضاً في عدم مُتابعة الجديد في التخصص ذاته، وبينما التطوّر والتحديث مستمرّان في كل حقل من حقول المعرفة، نرى بعض المُتخصصين الذين لا يزالون أسرى تلك الكتب والنظريّات القديمة التي استعانوا بها في كتابة رسائلهم الجامعيّة، دون تطوير وتحديث معلوماتهم في مجال تخصصهم، لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالجديد، فظلّوا يُردّدون ما عفا عليه الزمن، كل ذلك ناتج عن عدم الرغبة في تطوير الذات، والتفاعل مع المستجدّات، ومتابعة ما قد يطرأ من جديد في عالم اليوم، وهذا الانغلاق الثقافي غالباً ما يضعهم في مواقف مُحرجة، عندما يلتزمون الصمت حيال ما يجري حولهم، لا لتعفّف عن الخوض في الحديث، ولكن لعجز عن فهم ما يتضمنه هذا الحديث، وإذا تكلم أحدهم انطبق عليه قول القائل: (سكت دهراً، ونطق هذراً).

في ظل هذه المؤشرات نرى أن خريج الثانوية العامّة في الماضي القريب، أكثر ثقافة من خريج الجامعة في الوقت الحاضر، سواء في الثقافة العامّة، أو في القدرة على الكتابة، أو الحرص على التفاعل مع مستجدّات الأحداث مع أن الأكاديميين هم الأكثر حاجة للتثقيف الذاتي، خاصة العاملين في مجال التدريس، أولاً لأنهم يواجهون أسئلة غير متوقعة من طلابهم وعليهم الإجابة عنها بدقة وبمعلومات صحيحة وغير مُضللة، وثانياً أنهم يلقنون هؤلاء الطلاب معلومات يفترض أن تكون “طازجة” وليست مما عفا عليه الزمن، وهذا بالضرورة يحتّم عليهم مواكبة مُستجدّات الأحداث والتعرّف على التطوّرات المعرفيّة في مجال تخصصهم وغيره من المجالات، والذين ينغلقون على أنفسهم مُكتفين بشهاداتهم الأكاديميّة بينهم وبين المعرفة بون شاسع، لأنهم اعتبروا الشهادة طريقاً للوظيفة وليست طريقاً للمعرفة، وقد تمرّ بأحدهم شهور وربما سنوات دون أن يحضر دورة أو ورشة عمل أو يشارك في مؤتمر أكاديميّ، أو يقرأ كتاباً يستنير به سواء في مجال تخصصه أو في زيادة رصيده من الثقافة العامّة.

وهذا هو حال الطبيب الذي يُعالج مرضاه مُكتفياً بما تعلمه من عشرات السنين، دون الاطلاع على الجديد في مجال تخصصه، لذا يُمسي علاجه قاصراً عن الاستفادة مما يقدّمه العلم من مُستجدّات، تطوّرت معها أساليب العلاج، وما حقل التدريس ببعيد عن حقل الطب في مسألة الاستفادة مما هو جديد سواء في مجال التخصص أو مجال الثقافة العامّة.

والقاعدة التي على الجميع أن يتذكرها هي: (إنك لن تطوّر نفسك، ما لم تُطوّر ثقافتك العامّة بما في ذلك تخصصك الأكاديميّ).