كثيرا ما ننظر إلى الوطن بأنه قصيدة رومانسية نترنم بها في الاحتفالات الوطنية، أو عاطفة انفعالية نهتف بها في المناسبات الرسمية، أو وثيقة رسمية نستعين بها وقت الحاجة، أو كيان ندعو للتغني بالانتماء إليه، أو أيقونة نعلقها على صدورنا للتباهي بها أمام الآخرين، أو أرض نتشرف بالدفاع عنها عندما تتعرض للخطر، ولكن الوطن أكبر من ذلك بكثير، فهو حب يجري في العروق، وعشق يتغلغل في أنسجة الجسد، وحنين يملأ سويداء القلب ويجري في أعماق الروح.

هذه المشاعر اجتاحتني إثر وصولي إلى “أنديانا ساوث بوند” وألتفت يمينا ويسارا فلا أجد ما يؤنس وحشتي سوى طفلي إبراهيم، رفيق رحلتي التي سوف تستمر شهرين في مهمة رسمية تأتي في إطار التعاون الأكاديمي بين جامعة قطر وجامعة إنديانا، وهذا التغرب الاختياري يخفف وطأته كنز من المشاعر الشفيفة والرائعة تجاه الوطن والتي أحملها كلما غادرت أرضه إلى أي بقعة من أرض الله الواسعة، وفي سبيل العلم تهون كل المتاعب، والإشكالات الناجمة عن غربة المكان وقسوة الزمان، في بلد كنت أظن أجواءه أكثر رحمة من أجواء الخليج، فإذا هو يذكرني بقول القائل: (كلنا في الهمّ شرق) فليس كل من غادر الوطن سيجد أجواء تنسية الحر والرطوبة، بل هناك في العالم وحتى في دول الغرب، مدن تفوق حرارتها ورطوبتها ما عرفناه من حر ورطوبة الخليج.

وكثيرون يتوهمون أن السفر إلى الخارج يعني فقط البحث عن الأجواء الباردة التي قد تنسيهم الحر والرطوبة، لكن هذا الوهم يدرك خطأه كل من يسافر في مهمة رسمية في الصيف، ويعزي نفسه بأن أي مهمة من أجل الوطن يمكن توطين النفس على قبولها مهما كانت صعبة، ومهما كانت ظروفها متعبة ومعقدة، فمن أجل الوطن تهون كل الصعاب، ولعينيه تهون كل العراقيل، وتتلاشى كل المتاعب، وتغيب كل الاحتمالات المرهقة للنفس، والثقيلة على القلب.

من جانب آخر أجد أن حضور ابني هو مصدر إلهام لتقديم أفضل ما يمكنني تقديمه في مهمتي الأكاديمية، وبقليل من تنظيم الوقت، ستكون الفرصة متاحة للاستمتاع والاستفادة من هذه الرحلة على أوسع نطاق، خاصة مع وجود أنشطة طلابية يمكن أن تشغل وقت فراغ ابني فيما يدعم دراسته بعد أن وصل إلى المرحلة الإعدادية ولله الحمد، في المدرسة الأمريكية بالدوحة، ووجوده معي من أسباب الرضا بما ألاقيه من عبء الرحيل وعنت الغربة، في انتظار العودة.

أشتاق لكم يا أهلي ويا زملائي في العمل، وأحتاج لصادق دعائكم، وفقنا الله جميعا لكل ما فيه الخير، وإلى اللقاء.