رُغم مُضي العقودِ، والكتبُ المطبوعةُ من كُلّ مكانٍ للأطفال تملأُ أرففَ المكتباتِ وخزاناتِها..
الكثيرُ منها جاءَ من الخارجِ، مُترجماً من لغاتٍ أجنبيةٍ أُخرى، والكثيرُ أيضاً يخرجُ من بين أناملِ وأذهانِ المُبدعين العربِ..

فهل كلُّ تلكَ القصصِ المطبوعةِ والمنشورةِ صالحةٌ للقراءةِ وللنشءِ..؟؟
بالطّبعِ تختلفُ المطبوعاتُ، وتتنوّعُ الأفكارُ، وتقفزُ الحبكاتُ المشوقةُ من بين الأغلفةِ المرصوصةِ في كلِّ مكانٍ، لتحاولَ أنْ تتغلغلَ إلى عينِ الطّفلِ، وفكرِه، ثُمّ جيبِ ذويه..

الكتابةُ هي نصفُ الجهدِ المطلوبِ للقصّةِ الجميلةِ، والمشوقةِ، والطباعةُ تكملُ النصفَ الباقيَ، بما تُضيفُه على تلكَ الكلماتِ البسيطةِ، والمُباشرة، ألواناً من الفرحِ والبهجةِ والتّشويقِ..

فالطفلُ يجذبُه الكتابُ من الغلافِ، من العنوانِ، من الموضوعِ الذي يفهمُه من العنوانِ، من وزنِ الكتابِ، من حجمِه، من وضوحِ حروفِه، من تدفُّقِ ألوانِه الغنيةِ بالطّاقةِ والحياةِ..

القصّةُ التي نكتبُها للطّفلِ، يجبُ أنْ تكونَ شكلاً جاذباً في البدايةِ، حتّى تجذبَه الأيدي الصّغيرةُ من بين الكتبِ الأخرى، حتّى تشدَّ هذا الطّفلَ من بعيدٍ، حتّى تجعلَه يتخلّى عن يدِ أبيه أو أمِّه التي تمسكُ به، ليجريَ نحوَه بكُلِّ حماسٍ..

حتّى نراه يتوسّلُ إليهما للحصولِ على هذه القصّةِ.. حتّى .. وحتّى ..
ولكنَّ هذا لا يكفي ...

نحنُ المُبدعون، لا نخافُ إلا من اللحظةِ التاليةِ الّتي تلي اقتناءَ هذا الكتابِ، وهي لحظةُ التصفُّحِ، والاطّلاعِ على المُحتوى، فهي إمّا أنْ تجعلَه يتمسّكُ بهذا الكتابِ، أو يُطالبُ بإعادتِه، أو إلقائه بإهمالٍ شديدٍ، ودونَ اهتمامٍ في أوّلِ بقعةٍ يصادفُها بمجرّدِ دخولِهِ البيتَ...

إذاً، كيفَ نجعلُه يحبُّ القصّةَ ..؟؟ يتقبّلُها ..؟؟ يحرصُ عليها ..؟؟ يفتخرُ بامتلاكِه لها ..؟؟ يعيدُ تصفُّحَها مراراً وتَكراراً ..؟؟ يعرضُها على إخوتِه وأصدقائِه ..؟؟ يعيدُ قراءَتَها مراتٍ ومراتٍ دونَ مللٍ..؟؟ يعيدُ قصَّها على المُقربين منه، في البيتِ أو المدرسةِ أو الأصدقاءِ ..؟؟ يفرحُ بجذبِ الآخرينَ لها ..؟؟ يعيشُ معها، وتعيشُ معه ..؟؟ ربَّما يحملُها معه أينَما سارَ وأينَما ذهبَ ..؟؟

نحنُ لا نستطيعُ ذلكَ .. فهذا يرجعُ إلى الطفّلِ نفسِه، إلى بيئتِه، هواياتِه، شخصيتِه، مكانتِه في البيتِ والعائلةِ، مدى قربِ الفكرةِ المقدّمةِ من أفكارِه، ومما حولَه، ومما يحتاجُ أن يعرفَه، قربِها من بيئتِه، من عُمُرِه الزمنيِّ، من طموحاتِه وأحلامِه، من علاقاتِه بالآخرين..

إنّها لحظةُ الحقيقةِ الّتي ينتظرُها كلُّ مُبدعٍ في قصصِ الأطفالِ وثقافتِهم، اللحظةُ الّتي يُطلعُك فيها الطفلُ بنفسِه على رأيِهِ وانتقاداتِه فيما قدّمتَه له..

أنتَ لا تحتاجُ لناقدٍ في الأدبِ والدراما ليعبّرَ لكَ عن نجاحِ قصّتِكَ وكتابِكَ .. أنتَ بحاجةٍ لأنْ تضعَ السّاعةَ على وضعِ الانتظارِ، حتّى يتمكّنَ هذا الصغيرُ من التعبيرِ عن نفسِه، حتّى ينضجَ بعضَ الشيءِ، حتّى يعترفَ ذاتَ يومٍ ويقولُ علناً، بأنّه تأثّر كثيراً في زمنٍ سابقٍ، بما قدّمتَه له من قصصٍ وحكاياتٍ جميلةٍ..
حينَها فقطْ ستعرفُ أنّكَ نجحتَ........

hissaalawadi@yahoo.com