ها هو عام دراسيّ جديد يبدأ مسيرته، بعد عطلة أخذ فيها طلّاب العلم ومعلّموهم ومعلّماتهم إجازة، روّحوا بها عن أنفسهم وأجسادهم، ونفضوا غبارَ تعبٍ كُلِّل بحصاد نتائج طلّابهم؛ لينطلقوا مرّة أخرى، على أمل إكمال ما بدأوه بهمّة وعزيمة لا تنضب، بعد تهيئة القلوب والعقول لتلك العودة الميمونة. كلّ الآباء والأمّهات يرجون أن يبلغ أبناؤهم درجة عليا من العلم والمعرفة، وأن يحصلوا على درجات عليا من التحصيل العلميّ، ولذلك يعدّون العدّة مع بداية كلّ عام دراسيّ؛ لتجهيز أبنائهم وبناتهم، وإن كان ذلك الأمر شاقاً إلّا أنّ ثماره المنشودة تستحقّ كلّ ذلك العناء.

وتنفِّذ الدولة الواجب المُلقى على عاتقها عبر وزارة التعليم والتعليم العالي؛ فتبني المدارس وتُعدّ الكوادر التدريسيّة، وتنفق الغالي والنفيس على المؤسّسات التعليميّة، وذلك ربح لا خسارة فيه، لبلوغ رسالتها وزرع قيمها وتحقيق رؤيتها، في الاستثمار في الموارد البشريّة؛ لتنمية المعارف والمهارات والاتّجاهات، لسدّ حاجات البلد والمجتمع من الطاقات البشريّة المؤهّلة والمسلّحة بالعلم والمعرفة. ولبناء المدارس هدف نبيل، يرتكز على غاية عظمى في القضاء على مظاهر الأمّيّة والجهل، لشفاء المجتمعات من أسقامها وآفاتها، وتُعِدّ جيلاً منتجاً بسواعد متينة وعقول رصينة، وتزرع فيهم المُثل والأخلاق النبيلة، يقول الشاعر معروف الرصافيّ في دعوته للعلم:

ابنُوا المدَارسَ واستقصُوا بهَا الأَمَلا
حتّـى نُطـــــــــاوِلَ في بــنيــــــانِـــــــــهَا زُحَــــــــلا
إنْ كــانَ للـــجهلِ فـــي أحـــــوالِنَا عللٌ
فالعلــمُ كالطبِّ يَشـــفِي تلكُم العـللا
لا تجعلُوا العلــمَ فيــها كُـــلَّ غايتكُمْ
بَلْ علِّمُوا النَّشءَ عِلْمَاً يُنْتِجُ العَـمَلا
ربُّوا البنيـــنَ مـــــــعَ التعلـيـمِ تــــــــربــــيةً
يُمْسِـي بِهَا نَاقِصُ الأخلاقِ مُكْتَمِلا

والعودة إلى المدارس بحاجة إلى تضافر الجهود التي تُرحِّب بها وتهلِّل لعودتها، جهود الطلّاب وأهلهم ومدارسهم، فعلى الطلّاب أن يعلموا أنّهم يسيرون على طريق الجنة في سعيهم للعلم، وأنّ الملائكة تبسط أجنحتها لطالب العلم، وعلى الأهل أن يكونوا عوناً للمدرسة في تعليم أبنائهم، وتوجيههم إلى الاهتمام بدراستهم، وواجب احترام مدرستهم ومعلّميهم، وتنظيم وقتهم ما بين الدراسة وإعطاء فرصة للترويح عن النفس، وتنظيم وقت نومهم كيلا ينعسوا في صفوفهم. أمّا المدرسة فلها الدور البارز في العمليّة التعليميّة، والتي يكون نجاحها باختيار الإدارة الناجحة التي تقود الدفّة بالتعاون مع بقيّة العاملين؛ ليكون لمدرستهم نفع، ولا يخرج الطلّاب منها مثلما دخلوها، كما يقول معروف الرصافيّ:

وأيُّ نفعٍ لِمَنْ يأتِي مَدَارسَــــــــــكُمْ
إنْ كانَ يَخْرُجُ منها مثلَمَا دَخَــــلا

فلنقبل على دراستنا بكلّ عزم وأمل، ولتكن الغاية بناء النفس والوطن والنفع الدينيّ والدنيويّ من نهل تلك المعارف والعلوم، فإنّ الأمم ترقى وتنهض بالنهضة العلميّة والمعرفيّة التي يكتسبها أبناؤها، فينشأ جيل متعلّم قادر على العطاء والبناء. والمنشود أن ينتهي العام الدراسيّ وقد تحقّقت الآمال المرجوّة وفق الخُطط المرسومة؛ لينتقل الطلّاب إلى المرحلة التالية وقد أخذوا حظّا وافراً من العلم؛ ليكملوا الجهاد في سبيل العلم، فالسائر في طريق العلم كالمجاهد في سبيل الله، فلنشجّع طلّابنا، ونرحِّب معهم بالدراسة والمدرسة، ونقول: أهلا مدرستي.
  
 
intesar_alsaif@