تأليف الأديب القطري عبدالرحمن بن صالح الخليفي، والكتاب مختارات نثريّة وشعريّة جمعها المؤلف سنة 1357هـ. وقد تميّز الأدب القطري الذي ازدهر في النصف الأول من القرن العشرين بمؤلفات المختارات الأدبيّة، وهي دالّة على سعة اطلاع الأدباء ومحبتهم الخالصة لجميل الكلام في معناه ومبناه حتى حرصوا على تأليف هذه الكتب لتحفظ لهم ولأجيالهم اللاحقة ما أحبوه وفضلوه من هذه القراءات الواسعة في الكتب قديمها والمعاصر، كما أن الاختيارات عمليّة نقديّة بلا شك.

الكتاب “بستان الأكياس”، والأكياس جمع كيّس وهو العاقل الفطن، والأفراد أي المتميزون بعقولهم وحكمتهم، والكتاب بستان لهم. وهو عنوان مميّز للكتاب.

جاء في مقدمة مؤلف الكتاب الأديب عبدالرحمن بن صالح الخليفي قوله: “أما بعد، فإن أشرف ما منح الله به العباد، وأقام به البلاد: العقول الراجحة والبصائر الثاقبة الصالحة، فتفتقت عن ثمارها الألسن فأوضحت بنورها ما لم تدركه الأعين.

فأردت أن أجمع نبذة من الأدب ودرجات أهل الحسب من مَثَلٍ سائرٍ وبيتٍ نادر وقصيدة مشتهرة ولطيفة مفتخرة نزهةً لي ولأولادي وأصدقائي وأحبائي، فأتى بعون الله وتوفيقه كل الصيد في جوف الفراء، وإن كنتُ من المتأخّرين إلى وراء، فسميته بستان الأكياس والأفراد من الناس، والحمد لله على كماله والصلاة والسلام على محمد وآله.”

كلمات دالة على حكمة وبصيرة وجمال أسلوب وتواضع وحرص على منفعة كل قارئ للكتاب، كما أن ذكر الله وحمده وشكره سبحانه، والصلاة على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام مما يميّز كتابات هذه النخبة من الأدباء.

من فصول الكتاب: فصل في الآداب وأحكام وأمثال، وفصل في الأجوبة الهاشمية، وحكاية الملك مع وزيره فيروز، ومن محاسن الأخلاق، وآداب المعاشرة، والقول في المحاذر والوصايا، وفصل أربعة أشياء تمرض الجسم، وفصل في شروط المروءة، وكتمان السر، ووصية بعض العلماء لابنه، وحديث سويد بن حارث الحارثي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطبة أبي حمزة بالمدينة، وخطبة الحجاج بن يوسف الثقفي، وخطبة زياد البتراء، وأخبار الدولة العباسية، واختيار من ديوان الحماسة، وباب في النسيب، وقصيدة للسيد عبدالجليل، وقصيدة أبي فراس الحمداني، ومجموعة قصائد للمؤلف رحمه الله.

تلك اختياراتٌ من بعض فصول الكتاب، ونرى فيها التنوّع بين الحكاية والخبر والنصح والعظة والوصية والمثل في قصيدة وأبيات شعر ونصوص نثريّة، وهي في معظمها من التراث العربي والإسلامي.
لقد كان المؤلف حريصاً على ألا يذهب بقارئ كتابه إلى ساعة ضجر من القراءة لذلك نوّع في هذه الاختيارات، ومزج فيها بين المُلحة والنصيحة والتشويق والمتعة.

جاء في الفصل الأول من الكتاب: “قال الحكماء: إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وعضّده باليقين. فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف، وإذا أراد به شراً حبب إليه المال، وبسط من الآمال، وشغله بدنياه، ووكله إلى هواه، فركب الفساد، وظلم العباد.”

“كن صموتاً وصدوقاً، فالصمت حرزٌ، والصدق عزٌّ. من كثر مقاله سئم، ومن أكثر سؤاله حُرم”
“أفضل المعروف إغاثة الملهوف. من تمام المروءة أن تنسى الحق لك وتذكر الحق عليك، وتستكبر الإساءة منك وتستصغرها من غيرك.”

وفي باب النسيب في الكتاب أبيات الصمة بن عبدالله القشيري:
حننتَ إلى ريّا ونفسكَ باعدتْ مزاركَ من ريّا وشعباكما معا
فما حسنٌ أن تأتيَ الأمرَ طائعاً وتجزعَ أنْ داعي الصبابة أسمعا
قفا ودّعا نجداً ومن حلّ بالحمى وقَلّ لنجدٍ عندنا أن يُوَدّعا
بنفسيَ تلك الأرض ما أطيب الربا وما أحسنَ المصطافَ والمتربَّعا
رحم الله الأديب عبدالرحمن بن صالح الخليفي وأسكنه ووالديه فسيح جناته، ونفع بعلمه وكتابه.