لأنني لم ألتق بها كثيرًا، ولم أرها منذ زمن ليس بالقصير، قررت أن أضرب معها موعدًا في أقرب وقت ممكن.. فقد عرفتها حين كنا صغارًا، نلعب في الحي، فوق الرمل، نرسم مربعات (القيس)، ونتنافس في الفوز دائمًا..

نجمع أجمل الحصوات من بين التراب، أربعة، والخامسة يجب أن تكون مختلفة عن الجميع، ليسهل تمييزها..

أو نقفز على الحبل، الحبل يدور ويدور، والأقدام الصغيرة تقفز بحماس ونشاط.. وكانت هي هناك، تسابقنا بين الأقدام الصغيرة، وتحصي معنا قفزاتنا، وعدد حصواتنا، وتجذبنا من ثيابنا فوق المربعات المرسومة فوق الأرض، ثم تجري لتختبئ عنا حين تبدأ إحدانا وهي تعد (عقرة بقرة، قال لي ربي، عد العشرة...)..

ومضى ذلك الزمان، رصف الشارع الذي أمام بيتنا، ومحيت آثار أقدامنا، وصمتت هتافاتنا ونداءاتنا، وأغنياتنا الجميلة، (سويرة راحت البر.. تييب العيش الأحمر.. وتحطه في الصواني..... الخ...) كل ذلك اختفى، حين اختفت هي في أحد الأزقة القريبة، تنتظر أن يكتشف مخبأها أحدٌ ما.. حتى تشارك الصغيرات لهوهنّ ومرحهن..

لكن، لم يتمكن أحد منا من معرفة مكانها لعقود طويلة، ثم اكتشفنا أنها تختبئ بين قصاصات الورق، وفي المحابر المغلقة، وبين الدمى الغافية، وفوق رفوف الكتب الممتعة، وفي باحة مدرستنا..

لكنها ملت منا حينها، فكنا منشغلين بأمور أخرى، فرضتها علينا الحياة، والظروف، والفواجع التي لا تنتهي..

ظلت تنتظرنا في تلك الأزقة كثيرًا.. حتى زالت تلك الأزقة من خارطة المدينة، وأصبح مكانها عمارات ذات أدوار كثيرة، يعيش فيها الكثير من الأسر والعائلات، وكنا نعتقد أن تلك المساحة لا تكفي سوى لبناء بيت واحد، لعائلة واحدة، لكن الزمن يدور تمامًا كالساقية التي تجرها الثيران المنهكة..

تدور الساقية، ويدور الزمان، وتنتهي الفصول، لتبدأ من جديد، وتكبر الأجيال، وتبرز أجيال جديدة، لا تخرج من بيوتها العالية ذي الطبقات الكثيرة، ولا تلعب بالكرة مثل أطفال زماننا، ولا تحذف (القلينة والناطوع ) ولا تصف البلى الملونة على الرمل في صف منتظم، ولا تقذف الكرة، ولا (تحبل) للعصافير الصغيرة.. ولا تستأجر الدراجات من عند المتجر القريب، ولا تتسابق إلى الدكان، وهي تعض على ذيل ثوبها بأسنانها.. ولا... ولا..

أصبح الرمل الذي عشنا فيه ولعبنا بين حباته اليوم، مكانا غير صالح للعب، حيث لا تتوافر فيه الشروط الصحية.. وأصبح الخروج من البيت، مضيعة للوقت، وإهدارًا للطاقة والجهد.. وأصبحت أغنياتنا الجميلة، تختفي رويدًا رويدا، حرفًا حرفا، تحلق فوق الكون، ثم تختفي بين الضباب..

هكذا غادرتنا السعادة، ونحن نسعى اليوم للقائها وإحضارها إلى مدينتنا الجميلة، بعد أن غشيها الضباب والحزن والملل..

فمتى تأتي...؟؟

 

 

hissaalawadi@yahoo.com