بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
كل (الديكتاتوريات) العربية التي خلّفت الاستعمار أو تكرّست بانقلابات، صادرت الحريات العامة، في المقدّمة الإعلام؛ فتحوّلت معظم الأقطار العربية سجوناً متراصة، لا صوت فيها إلى جانب صوت (الحاكم) و(الأقلام) التي تسبّح باسمه.

لم يلبث الحكام الذين خلفوا الاستعمار أو ملكيات انقلبوا عليها حتّى حوّلوا الشعوب (قطعاناً) لا تُحسن إلا الهتاف باسم الحاكم، وهي عارية جائعة ترزح في العبودية، وأحد شبابها يدفع درّاجته الهوائية بقدميه الحافيتين ممزّق السروال متسخ القميص والوجه، يهتف: (وحياتك يا جمال)!فصار (الكتّاب)

والإعلاميون (طبولاً) لحاكم هو رئيس تحرير كل الصحف، يطوف عليها ليلاً؛ ليتأكّد من صوره البرّاقة في الصفحات الأولى، منذ نحو 70 سنة، في عراق (عبد الكريم قاسم) ثم (صدام حسين) فسوريا (الأسد) ومصر (عبد الناصر) و(السادات) ويمن (علي عبد الله صالح) وجزائر(أحمد بن بلة) على خطى أستاذه (عبد الناصر) حتى (بومدين) نفسه، فليبيا (القذافي) الذي لم يكد يعلن (جماهيريته العظمى)على كاهل ملكية وديعة حتى ركبه (العُجب) الإبليسي ليعلن (بالدولار) خطوته الأخيرة (ملكاً) على (ملوك إفريقيا) قبل أن يلقى حتفه المستحق، فتتصارع على الفريسة (ليبيا) كل الذئاب والثعالب والخنازير، فاستبيحت كما استبيحت معظم ساحات الوطن العربي المنكوب بأيدي حكّامه الظالمين الذين أبدعوا في المنكرات، كما أبدعوا في شراء ذمم ذوي (أقلام) ملوّثة بالانتهازية والمطامع.

هؤلاء ضاعفوا النفخ في الدّمى السياسية، يحدوهم فيما يكتبون الطمع، فيمتطون الانتهازية والرياء؛ «فإذا غلب الطمع على قلب امرئ: لم يزل الشيطان يحبّب إليه التصنّع والتّزيّن بمن طمع فيه بأنواع الرياء» كما قال (الغزالي) في (الإحياء) هو الرياء المحرّم شرعاً، وطبعاً أخلاقاً.

سرعان ما صار (كتّاب) عرب قطعاناً، لا تنشد غير الكلإ بالزريبة الناعمة في (البلاطات) حتى باح لي رئيس تحرير غاضب في أشهر صحيفة عربية بالجزائر بندمه (نهاية 1989) وهو يرى الفوضى والانفلات في السلطة عينها «قضينا أكثر من ربع قرن في الكذب» لتحتل الواجهة قوى انتهازية أخرى لتوجّهات جديدة (مؤقتة) بعدئذ!.

خيّل لي يومئذ أن زمن (النفاق) تودّداً للسلطة: حرصاً على (مال) و(منصب) فإيثار (بالغنم) قد انتهى! كم كنت واهماً! وقد اطردت الفواجع بشكل أكثر بشاعة، وبمرور السنين تتضاعف أعداد المتزلّفين، (دينهم المال) وكسب حبّ كل ذي سلطة ومال، بلغة لا تغيب انتهازيتها على هذا الحاكم أو ذلك، لكنه يقبلها ويكافئ عليها، مما يحفل به الإعلام العربي يومياً.

أمامي على شاشة (الحاسوب) ثلاثة نماذج احتفظت بها، من جريدة (عرب) تنعت نفسها (الدولية)، كبر إحساسي بالأذى لكونها أسماء معروفة، الأوليان من مصر، العبرة بالموقف! فبدل أن يكون لها رأي يستضيئ به المواطن العربي والحاكم فيقرّبها لاستحقاق شرعي، تحوّلت أبواقاً لتزكية (خطاب السلطة)!، ليس لي موقف شخصي لا معها ولا مع الحاكم، لكنه المقت للصورة العربية التي يبدو فيها بعض (كتابنا) أداة تخدير! (كوكايين عربية)! في خلايا الأمة منذ نحو سبعين عاماً!.

- كتب الأول: «يا إلهي لقد مرّ عام كامل منذ شرفت بالدعوة إلى مهرجان الجنادرية...لأول مرة، بالتأكيد لم تكن الليلة شبيهة بالبارحة، كان العالم قد تغيّر.. أما التغيير الأكبر فكان في المملكة.. عندما وصلنا في العام الماضي كانت إرهاصات رؤية 2030 قد بدأت..عند الوصول هذا العام كانت آثار الرؤية بادية..كانت السعودية تدخل إلى القرن الواحد والعشرين من أوسع أبوابه.. كانت البداية التقليدية مع سباق الهجن..» فاركب يا (خبير الاستراتيجيات)! وقد فاتك التبشير(بالرؤية)!.

- أما صاحبنا الثاني فقد بدأ مقالته هكذا: «هذه هي المرة الأولى التي أستمع فيها عن قرب إلى الأمير محمد بن سلمان.. رغم أن حديث الأمير معنا قد امتدّ لما يقترب من حدود الثلاث ساعات.. إلا أني توقفت بشكل خاص أمام حديثه المستفيض عن مبادئ ثلاثة يعتقد فيها ويتوكأ عليها ويتمسّك بها.. سوف تشعر وأنت تستعرض مبادئ الأمير محمد الثلاثة أنها ليست كلاماً إنشائياً»، طوبى للإنشاء السحري! يا (علَم)!.

- يقول ثالثهم: «مملكة تخطو للأمام ولا تتراجع، تختصر السنوات.. إن مشروع نيوم بضخامته وبراعة فكرته ومنطقية أهدافه يجسّد الكيفية التي يمكن النظر للمملكة العربية السعودية في حلتها الجديد» فالبس! مرحى! ألست ابن الوطن؟.

لغة الطبول والأبواق! باتت سمة في الإعلام العربي!، لا رأي لكتاب وإعلاميّين للنهوض بأمتهم، همّهم التزلف للحكّام بالهتاف، ركّعاً سُجّداً، اليوم مثل الأمس!، مع ذلك، لهم القدرة على النظر إلى وجوههم في المرآة!.
  
E-Mail: beng.33@hotmail.com