بيروت - منى حسن:

تقع منطقة الأرز في شمال لبنان على سلسلة جبال لبنان الغربية وهي إحدى أبرز المناطق السياحية في لبنان حيث تشتهر بوجود شجر الأرز المعمر الذي هو رمز لبنان. أشهر أنواع الأرز هو الأرز اللبناني وهو حالياً مهدد بالانقراض، خاصة في «أجمة بشرّي» المعروفة تحت اسم أرز الرب، وأرزاتها من أقدم أشجار الأرز في لبنان، وبعضها يعتبر الأقدم في العالم. الأرز اللبناني عرف قديماً في الحضارة الفينيقية كما أنه ذكر أكثر من مرة في التوراة والإنجيل.

للأرز نظام دفاعي

للأرز نظام دفاعي ذاتي فريد، فعندما تتعرض لهجوم من الآفات تقوم بإنتاج براعم بديلة عن الأوراق والأغصان المصابة. كما أن لديها أيضاً طريقة غريبة في النمو، فهي تنمو بشكل مغاير تماماً للشجرة الأم من حيث شكل الأوراق ولونها، وتنمو من خلال البذور الموجودة في مخاريط وتبقى تلك المخاريط معلقة بالشجرة الوليدة مدة سنين قبل أن تنفصل عنها.

ذخيرة متبقية

لقد فعل التاريخ فعله في أرز لبنان ولم يترك فيه إلا غابات صغيرة يمكن اعتبارها بمثابة ذخيرة متبقية من الغابات القديمة التي كانت تغطي كل الجبال اللبنانية، إذ تضم غابات أرز لبنان اليوم أشجاراً يتجاوز عمرها الثلاثة آلاف سنة، إلى جانب عشرات الأشجار التي تجاوز عمر الواحدة منها ألف سنة، وأكثر من ثلاثمائة شجرة تقدر أعمارها بمئات السنوات. ومن خصائص هذه الأشجار أنها تنمو على ارتفاعات تتراوح بين 1500م و 2000م..وترتفع أشجار الأرز اللبناني نحو السماء حتى علو 40 متراً، وقطرها يصل إلى 15متراً وامتداد أغصانها يصل إلى حدود الـ 50 متراً، كما تنمو أوراقها باتجاه عمودي ويمكن أن تبقى لسنوات صامدة على أغصانها. تزدهر هذه الشجرة في فصل الربيع ولا تعطي ثمارها قبل بلوغ الـ 40 سنة وأحيانا لمدة أطول، وتبقى الشجرة بشموخ مستمر طيلة أول 50 سنة من عمرها الذي يمكن أن يصل إلى ثلاثة آلاف سنة.

الأرز ولبنان توأمان

منذ القدم الأرز ولبنان توأمان، بما يحمله هذا الأرز من أبعاد روحية وتاريخية عميقة، فلا يمكن أن تفصل لبنان عن الأرز الذي أكسبه نوعاً من الجاذبية الفريدة في العالم وقد أهدى البطريرك اسطفان الدويهي عام 1674 جذع أرزة اقتلعتها العاصفة إلى الملك لويس الرابع عشر لينحت منها تمثالاً له. أغلب هدايا البطريرك الياس الحويّك كانت من خشب الأرز. المقاعد الخشبية في خورس كنيسة القلب الأقدس في هضبة مونتمارتر الفرنسية مصنوعة من خشب الأرز. مذبح كنيسة فيّينا مصنوع من خشب الأرز. الكنيسة الصّغيرة الموجودة داخل قصر الميرامار في إيطاليا مبنيّة من خشب الأرز ومكتوب على أحد جدرانها أن هذا الخشب هدية من أرز لبنان. تماثيل وزخارف كنيسة القديس مارك في مدينة البندقية مصنوعة من خشب الأرز.

ثروة تندثر

مع مرور الزمن وتغيّر الأحوال والأمور بدأت هذه الثروة الحرجية تفقد أهمية وجودها، فأخذت الغابات تتعرّى من غطائها الأخضر، وذهبت الأخشاب إلى المواقد وفي القرن التاسع عشر انتهكت الغابات بشكل واسع وأصبحت في الحرب العالمية الأولى مصدراً رئيسياً للأخشاب اللازمة لمدّ خط سكة الحديد التي أنشأها الجيش البريطاني لوصل مدينة طرابلس (اللبنانية) بمدينة حيفا الفلسطينية. في العام 1876 أولت ملكة بريطانيا العظمى أرز الرب عنايتها، فأمرت بإقامة سور حول غابة أرز بشري لحمايته من أعداء الغابة التقليديين، لا سيما قطعان الماشية التي تقضم البراعم وتقضي على الشجيرات اليافعة.

اليوم يحتضن لبنان عدداً محدوداً من أجمات الأرز المبعثرة في أرجائه، ومن تلك المحميات: «حرش إهدن»، «حدث الجبّة» و»تنورين». أما محافظة جبل لبنان ففيها إحدى أقدم الغابات التي جرى استغلالها في العصور القديمة وهي «أجمة جاج» في قضاء جبيل التي لم يبق منها إلا بعض الأشجار المنتشرة فوق القمم، «أرز الباروك» التي يزيد عمر أشجارها على 350 سنة، وهي أحسن حالاً وأفضل حماية من غابات وأجمات الأرز اللبنانية، حرش «عين زحلتا» و»معاصر الشوف».

نشاطات لجنة أصدقاء غابة الأرز

أطلقت لجنة أصدقاء غابة الأرز (CAFC) في بشرّي بالتعاون مع مشروع التحريج في لبنان (LRI) خطة تحريج تقضي بغرس خمسين ألف شجرةٍ بهدف زيادة مساحة غابة الأرز بزرع المناطق الجرداء المتاخمة لها.

يُذكر أنّ مشروع التحريج في لبنان (LRI) يمتد على أربع سنوات، تموّله الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدولية (USAID) بمبلغ قيمته 12 مليون دولارٍ وتُنفّذه مديريّة الأحراج الأمريكية (USFS) بتوفير المساعدة التقنية والدعم المؤسسي الضروري لتعزيز جهود التحريج المستدامة عن طريق غرس الأشجار المحلية المنشأ ومكافحة حرائق الغابات في جميع أنحاء لبنان، من خلال التعاون مع المنظمات الشعبية والمجتمعات المحلية.