برلين -  الراية : يُقال أن أوتو سكورزيني، الذي كان ضابطاً في القوات الخاصة الألمانية التي كانت تتولى حماية هتلر، كان من المفضلين للفوهرر، وكان اسمه المستعار "صاحب الندب على وجهه" أي "ناربن جيزيشت" باللغة الألمانية.

وقد أصيب بجرح عميق في وجهه، خلال العراك رقم 15 الذي خاضه عندما كان طالباً في النمسا مسقط رأسه، علماً أن أسرته من أصل بولندي.

وفي عام 1931، انتسب إلى الحزب النازي في النمسا وانتظم بعد ذلك في القوات الخاصة التابعة للحزب النازي، وبرز اسمه عندما لعب دوراً في إنقاذ الرئيس النمساوي فلهيلم مكلاس من موت محقق على أيدي ميليشيات الحزب النازي.

وعندما غزت ألمانيا النازية الجارة بولندا، تم رفض انتسابه للسلاح الجوي الألماني، ما جعله ينتظر فرصته للالتحاق بالقوة الخاصة التي كانت تتولى حماية هتلر.

وقد ظهر اسم سكورزيني من جديد في ألمانيا، بعدما أفرجت المخابرات الألمانية مؤخراً عن ملف قضيته الذي يعود إلى الخمسينيات والستينيات، حين غير سكورزني الجبهة وبعدما كان وفياً لهتلر، عرض خدماته على المخابرات الإسرائيلية "الموساد"، لقاء الاستجابة لطلبه، بوقف ملاحقته كمجرم حرب من قبل إسرائيل، التي وجدت في هذا العرض، فرصة كبيرة لتصفية مجموعة من العلماء الألمان الذين يشاع أنهم لجأوا إلى مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والعمل هناك في تطوير صناعة الصواريخ، وفي نفس الوقت، الفرار من ملاحقة صائدي النازيين مثل سيمون فيزينتال، الذي أنشأ مركزاً لملاحقة النازيين في أنحاء العالم.

ونشرت صحيفة "بيلد" الألمانية تصريحاً أدلى به إفراييم زورف، مدير مركز "سيمون فيزينتال" في فيينا، قال فيه - ردا على سؤاله حول مسؤولية "الموساد" عن اغتيال العالم الألماني د. هاينز كروج في عام 1962 والذي كانت إسرائيل تعتقد أنه كان يعمل في برنامج تطوير صواريخ في مصر- لقد كانت عملية مشروعة تماماً، من أجل تدارك وقوع خسائر كبيرة.

وتكشف هذه القضية عن أوجه التعاون التي تمت بين أجهزة الأمن الألمانية والجهاز الإسرائيلي، والتي بدأت بعد التوقيع على اتفاقية بين كونراد أدناور، أول مستشار ألماني بعد الحرب، وديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي بعد تأسيس إسرائيل على أرض فلسطين وتشريد شعبها، ولا يزال التعاون قائما حتى اليوم.

ونقلت الصحف الألمانية عن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية معلومات مؤكدة حول قيام أوتو سكورزيني، الجندي السابق في الحرس الهتلري، باغتيال العالم الألماني كروجر بمدينة ميونيخ، مقابل شطب اسمه من قائمة النازيين المطلوبين للمحاكم، والذي كان النازي الوحيد الذي رضي بالتعاون مع إسرائيل، كما تم التزام الصمت حيال الجرائم التي قام بها بتكليف من الإسرائيليين، حتى وفاته في ألمانيا في عام 1975 عن عمر ناهز 67 عاما.

وحسب صحيفة "بيلد"، فإن وجود ملف حول قضية أوتو سكورزيني في أرشيف المخابرات الألمانية، يكشف أن الدولة الألمانية كانت على علم بنشاطاته التي كان ينبغي محاسبته قضائياً عليها وفقاً للقوانين الألمانية، لكن تم تجاهل ذلك لأسباب سياسية تتعلق بالدعم الألماني اللا محدود لإسرائيل. ويقع ملف سكورزيني في بضعة مئات من الصفحات الأمر الذي يؤكد أنهم كانوا على اطلاع بكل خطوة كان يقوم بها.

وتعود بداية قيام الصلة الغريبة بين الضابط النازي الذي ظهر مراراً وهو يسير لجانب هتلر، إلى عام 1948 أي بعد ثلاثة أعوام على استسلام ألمانيا النازية للحلفاء الأربعة "الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا والاتحاد السوفييتي"، عندما أفلح في الفرار من معسكر اعتقال الجنود الألمان في مدينة "دارمشتاد" الألمانية وفر إلى إسبانيا، حيث عقد صلات مع مسؤولين في حكومة الدكتاتور الإسباني فرانكو، حيث كان يقدم خدمات استشارية لخوان بيرون رئيس الأرجنتين والحكومة المصرية، والذي يُعتقد أنه تقرب من مصر بعد زيارة قام بها إلى تل أبيب، للتعرف على أسرار برامجها العسكرية بتكليف من الإسرائيليين. وبعد عام استطاع الحصول على الجنسية الإسبانية وغير اسمه، لكن عمله في إسبانيا لم يمنعه عن الاجتماع بالضباط السابقين في الجيش الألماني النازي.

وبعد سماعه بنبأ إلقاء الموساد القبض على أدولف أيشمان، المسؤول الكبير في العهد النازي الذي فر إلى الأرجنتين وتم نقله في صندوق إلى إسرائيل حيث حوكم وتم إعدامه هناك، ناقش سكورزيني مع ضباط نازيين سابقين إمكانية القيام بعملية لإنقاذ أيشمان.

وبينما خيل للجميع أن سكورزيني عدو لإسرائيل، تبين لهم بعد عام واحد، أن الضابط الهتلري السابق، أصبح قاتلا مأجورا يخدم "الموساد"، الذي عرف كيف يستفيد من خدماته جيدا، لاسيما وأنه كان يملك شبكة واسعة من الاتصالات لمعرفة مكان المواطنين الألمان الذين ترغب إسرائيل في تصفيتهم، مثل العالم كروج.

وفي تصريحات أدلى بها د. كاي كروج وشقيقته بيآتي كروج، أولاد العالم الألماني، أكدا أن المخابرات الألمانية عرقلت التحقيقات وأوصتهما بنسيان ما حصل لعدم تعرضهما للقتل ثم تولت حمايتهما لفترة من الزمن.

وتم الكشف في تقارير لاحقة أن سكورزيني أطلق الرصاص القاتل على العالم الألماني قبل أن يقوم مرافقوه الإسرائيليون بسكب الحمض على جسده وانتظروا حتى يتحلل ثم دفنوه في غابة وغطوه بالأسمنت حتى لا تكتشف كلاب البحث مكانه. ويقال أن اسحاق شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وأحد مؤسسي عصابة "هاجاناه"، قام بالتخطيط لعملية الاغتيال وشارك في التنفيذ إلى جانب تسفي مالكين الذي أصبح لاحقا رساما في نيويورك ويوسف رعنان، الذي أصبح رئيسا للموساد.

لقد كان سكورزيني يفكر بنفسه فقط، وتعاون مع الموساد لهدف شطب اسمه من قائمة المطلوبين للمحاكمة، وهو ما استغله الإسرائيليون لتنفيذ أهدافهم. ولم يكن سكورزيني يحتاج إلى مال، ولا يبدو أنه تقاضى من الموساد، مكافأة مالية على جرائمه، وكان يقول أنه يملك ما يكفي من المال ولكن هدفه الوحيد، هو شطب اسمه من قائمة صياد النازيين سيمون فيزينتال. لكن اسمه دخل التاريخ كقاتل، لا أحد يعرف حتى الآن عدد ضحاياه إذا كان يتم دفنهم على الطريقة التي تم فيها دفن العالم الألماني كروج.