بقلم - جورج علم:

أطلق الثلاثي الروسي - التركي - الإيراني نظريّة الاقتصاد البديل، في إشارة إلى تقليص العلاقات التجاريّة مع الولايات المتحدة قدر الممكن والمستطاع. وكان الفرنسيّون والألمان السبّاقين في إطلاق هذه النظريّة، في ذروة الاشتباك السياسي مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، حول مستقبل حلف الناتو، واتفاقيّة المناخ، ورفع نسبة الضريبة على الصلب والألمونيوم، وحجم الصادرات والواردات عبر ضفتي الأطلسي، والعقوبات الاقتصاديّة المتنامية، الأمر الذي دفع بالرئيس إيمانويل ماكرون إلى التفكير مليّاً مع المستشارة أنجيلا ميركل حول اقتصاد يتمتع باستقلاليّة عالية عن واشنطن. أما الآباء الفعليّون لهذه النظريّة فهم زعماء دول الـ"بريكس"، أي البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، وقد خاض هؤلاء التجربة منذ العام 2009، وحسب مجموعة جولدمان ساكس البنكيّة العالميّة، فمن المتوقع بحلول العام 2050 أن تنافس اقتصادياتهم، أغنى دولة في العالم، نظراً للإمكانيات الهائلة، حيث تشكّل مساحات هذه الدول مجتمعة ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها 40 بالمئة من سكان الأرض.

وكانت لجنة الاقتصاد، والتجارة الخارجيّة التابعة للكونجرس الأمريكي قد حذّرت في أبريل الماضي من سياسة القرارات الصادمة التي تنتهجها إدارة ترامب، معتبرة أن العقوبات الاقتصاديّة يمكن اللجوء إليها كجزء تفصيليّ من استراتيجيّة عامة هدفها معالجة الثغرات، والنواقص التي قد تعتري الاقتصاد كي يبقى منزّها من العيوب والشوائب، لا أن تستخدم كأداة قمعيّة لردع الدول، والأنظمة، والأسواق، كما هو الحال الآن، تحت سقوف من الشعارات المثيرة، ومضابط الاتهام العشوائيّة، لتبرير السياسة الزجريّة المتبعة.

وتعترف اللجنة بالقفزات النوعيّة التي حققها الاقتصاد الأمريكي في عهد الإدارة الحاليّة، من توفير المزيد من فرص العمل، إلى تقليص حجم المديونيّة العامة، إلى تحفيز المبادرات الفرديّة، والتقديمات الصحيّة والاجتماعيّة، لكنها تصرّ في الوقت نفسه على وصفها "بالقفزات البهلوانيّة" التي لا تستند إلى ثوابت راسخة تشجّع المستثمرين ورجال الأعمال على الانخراط بمشاريع ضخمة تستهلك مئات المليارات من الدولارات، نظراً للإفراط المتعمّد في زعزعة مرتكزات الاقتصاد العالمي، بدءاً من منظمة التجارة العالميّة التي تخلخلت مفاصلها نتيجة القرارات الفوقيّة الجائرة، والمبادرات المتسرّعة الطافحة بالارتجال والعشوائيّة، إن لجهة نقض الاتفاقيات المبرمة، أو لجهة التمادي في سياسة العقوبات المستندة إلى مزاجيّة متقلّبة، إلى التلاعب بالمعايير الضرائبيّة التي تطال السلع الحيويّة، وهذا ما دفع بالسلطات الصينيّة إلى رفع الصوت محذّرة من مغبة الفوضى التي تجتاح منظومة التجارة العالميّة، وتؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة في العلاقات الدوليّة.

وتأتي السياسة النفطيّة المتبعة لتشكّل أولوية الأولويات عند الدول الصناعيّة نتيجة ازدواجيّة المعايير ما بين السياسة الأمريكيّة التي تتحكم بها القرارات المباغتة والصادمة، وبين تلك التي تعتمدها منظمة "أوبيك" الحريصة على استقرار السوق، وعدالة الأسعار، والتوازن ما بين الإنتاج والاستهلاك. وينحصر الشغل الشاغل عند المسؤولين المؤتمنين على إدارة شؤون هذه المنظمة بمتابعة القرارات المتفرّدة الصادرة عن الإدارة الأمريكيّة للجم انفعالاتها، والحد من ارتداداتها السلبيّة على القطاعات الصناعيّة والاقتصاديّة، وهذا ما يشكّل الدافع الأبرز عند الدول للبحث عن الاقتصاد البديل الذي يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن القرارات المتسرّعة، والأحادية الجانب التي تؤدي إلى عدم الاستقرار في العلاقات الدوليّة.

ويخرج من الكواليس المحصّنة بالسريّة إلى العلن القلق المتنامي من سباق التسلح، ذلك أن الإدارة الترامبيّة تفرض الكثير من العقوبات للحد من إنتاج سلاح الدمار الشامل عند العديد من الدول النامية، وتقوم بحملات إعلاميّة مركّزة ضدّ السلاح النووي، والكيميائي، والجرثومي، وبالمقابل تتحدث الأرقام عن مئات المليارات المخصّصة لسياستها الدفاعيّة، وأيضاً لدعم صناعة الأسلحة الإلكترونيّة، والتي تتمتع بتقنيات معقّدة، وقد خرج وزير الدفاع جيمس ماتيس بتصريح في الآونة الأخيرة يتحدث فيه عن قوة ردع أمريكيّة فضائيّة، في وقت يعاني فيه أكثر من ثلاثة مليارات بشري في رياح الأرض الأربعة من الجهل، والفقر، والأميّة، وأبسط الحقوق الإنسانية المشروعة من دواء، وكساء، ومأوى، ولقمة عيش؟!.

ولا يجزم الخبراء الضالعون في التخطيط للاقتصاد البديل بأن الضغوط الاجتماعيّة - المعيشيّة ستكون أقل وطأة مما هي عليه الآن، لكنّها بالتأكيد ستكون أكثر انضباطاً، وتوفر مساحة للعمل الجاد على معالجتها بعيداً عن الوصاية المفعمة بالقرارات الصادمة المتقلّبة، والمزاجيّات المفرطة الهادفة إلى قيادة العالم نحو اقتصاد مضطرب، وسياسات متهوّرة.

 

كاتب لبناني