بقلم- وجدان الجزيرة:

إنّ المجتمع الشرقي بمرور الوقت يتقمص شخصية الغرب.. وفي ظل ثقافة الزحام يتعلم الشباب أن السرعة في أداء كل شيء هي الأساس.. من هنا يمارسون حياتهم وفقاً لقوانين العصر التي لا ترى أهمية للاجتماع على موائد الطعام.. أو الاجتماع لتجاذب أطراف الحديث.. ولأن الأمر أصبح سائداً.. فالكل ينظر إليه على أنه عادي.. فالأبناء يتعايشون مع انشغال آبائهم ولا يفكرون في الأمر.. بل يشعرون بالراحة لعدم خضوعهم للمراقبة الأسرية أو الحوارات التي قد تضعهم في مواقف لا يحبونها.. والآباء يرون أنهم غير مقصرين في تربية أبنائهم فهم يوفرون لهم الحياة المعيشية الجيدة.. وهذا أقصى إمكاناتهم.. أما مسألة تربيتهم على قيم ومعايير معينة.. فهذا لا يشغل بال الأهل.. بل هم لا يعترفون بوجود خلل تربوي داخل الأسرة.. حتى وإن توافر لديهم الوقت لا يتحدثون في الأمور المهمة.. بل يتحدثون في مسائل سطحية.. فالأبناء لا يصارحون آباءهم خوفاً من ردود أفعالهم.. كما أنهم لم يتربوا على تخصيص وقت للعائلة وإدارة الحوار بين أفرادها.. فقد اعتادوا أن يجلس الأب ليشاهد التلفاز أو يقرأ الجريدة.. بينما الأم مشغولة بأعمال المنزل وكل واحد منهم يعيش في عالمه الخاص.. ولا أحد يشكو لكن عندما تحدث انحرافات الأبناء تعلو الصراخات.. فنحن لا نجد الوقت لنتناقش مع أبنائنا ونتحاور معهم ونجلس لنتجاذب أطراف الحديث لنعرف اهتماماتهم وماذا يدور في تفكيرهم وماذا يريدون..؟ لذلك ليس علينا أن نشكو من انحرافاتهم أو وقوعهم في بئر الفساد.

وتحضرني الذاكرة أنه اتصلت بي فتاة في عمر المراهقة تشكو أهلها قائلة بأسى: تمنيت كثيراً أن أجلس مع أمي لأحكي لها ما في داخلي من مشاعر وأحاسيس.. وأن أجتمع مع أشقائي لنتجاذب أطراف الحديث.. لكن للأسف كل من في البيت مشغول.. وإذا اجتمعنا على طعام أو أمام التلفزيون .. فالكل صامت.. فوالدي أراه كثيراً.. لكنه لا يتحدث معي.. أما والدتي تبذل أقصى جهدها لإسعادنا وصنع المأكولات وشراء احتياجاتنا إلا أنها لا تهتم بالحديث معي في أموري الخاصة.. ولأننا كعائلة لا يعرف كل منا عن الآخر أكثر من أنه لا يزال على قيد الحياة فالهاتف هو حياتي.. فأتحدث مع الصديقات والشباب أيضاً وأجد من يستمع لي.. وبأمانة لست الوحيدة التي تعاني.. فمعظم البنات يعانين الوضع نفسه.. وهذه حكاية أخرى لشاب يقول بمرارة.. عائلتي دفعتني للتدخين.. فنحن ثلاثة ذكور كل منا يعيش في وادٍ.. لا نجتمع إلا نادراً .. لكننا لا نتحدث أساساً .. والدي ينفعل علينا على أي هفوة تصدر منا .. وأمي لا يهمها سوى الزيارات والعلاقات الاجتماعية.. وقد وصل الأمر إلى أنني استعنت بالأصدقاء للفضفضة.. وهم من دفعوني إلى التدخين.. من هنا ندرك مدى تأثير العلاقات الصامتة على تنشئة الأبناء..

ثمة أسباب عديدة تدفع المراهق والمراهقة إلى عدم الحوار والتواصل مع والديهما، ومنها ما يتعلق بثقافة الأبوين وخلفيتهما الثقافية .. تختلف الخلفية الثقافية للأب والأم نتيجة اختلاف النشأة.. فقد يتفقان على الخطوط العريضة لتربية الأبناء إلا أنهما يفتقدان لآلية التواصل معهم بما يتفق مع تطورات العصر وقيمه الحديثة، كما أنهما لا يتوقفان عن مطالبة الأبناء بالتزام القيم التي تربيا عليها.. وهو ما لا يلقى قبول المراهقة أو المراهق اللذين تشترك في تربيتهما وسائل الإعلام والفضائيات ومجتمع الأصدقاء وخلافه، كما أن المراهق والمراهقة يقعان تحت تأثير القيم الجديدة التي تبثها العولمة بصخبها الهادر، هذا التناقض في الخلفيات الثقافية يؤدي إلى خلق فجوة فكرية ربما تظهر على شكل صمت أو خرس عائلي.. ولغة الحوار مفقودة.. وهو الأمر الذي يترتب عليه مشكلات كبيرة.. إذ كثيراً ما يفاجأ الأهل بأمور تهزمهم من الأعماق.. وتدفعهم للتساؤل أهؤلاء هم أبناؤنا..؟

هذا كله يؤكد أهمية اللغة المناسبة للتحاور مع الأبناء والتي لابد من أن تبتعد تماماً عن العنف اللفظي واتباع أسلوب التقارب والصداقة.. أما مسألة صمت الأبناء الدائم داخل المنزل.. فهي مؤشر حي على وجود مشكلة أو خطر..

يتبع