التحركات المدنية مشروعة للمواطنين وللطلاب من أجل المحاسبة

الشباب يحلمون بلبنان يسود فيه تكافؤ الفرص وليس المحسوبيات

بيروت - منى حسن: قال رئيس الجامعة اليسوعية في لبنان البروفيسور سليم دكاش إن الطلاّب أبناء مجتمعهم ويعكسون ما يجري في المجتمع اللبنانيّ، وحين يسود الخطاب المتشدّد أو الطائفيّ من الطبيعي أن يتردّد صداه في الجامعة.

وأكّد في حديثه لـ الراية  أن التحرّكات المدنيّة التي شهدتها الساحة اللبنانية والمطالبة بالمحاسبة مشروعة للمواطنين وللطلاّب على حدّ سواء برغم تعدّدها واختلاف أهدافها، إلاّ أنها مؤشر رفض للفساد ولتصحيح الخلل في المجتمع وتقويم الأوضاع المتدهورة والملفات المفتوحة التي يتقاسم منافعها بعض السياسيّين غير آبهين بمصالح الناس ومستقبل البلد.

وإلى تفاصيل الحديث:

  • شهد لبنان تحركات مدنيّة واسعة من أجل التغيير والإصلاح.. ما هي رؤيتك لهذا الحراك ؟.

- التحرّكات المدنيّة التي شهدتها الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة والمطالبة بالمحاسبة، هي تحركّات مشروعة للمواطنين وللطلاّب على حدّ سواء برغم تعدّدها واختلاف أهدافها، إلاّ أنها مؤشر رفض للفساد وإن لم يكن مستوفيًّا لكلّ الشروط، لتصحيح الخلل في المجتمع وتقويم الأوضاع المتدهورة والملفات المفتوحة التي يتقاسم منافعها بعض السياسيّين غير آبهين بمصالح الناس ومستقبل البلد.

ولا عجب أن يكون بين الناشطين والمتظاهرين الذين يريدون أن تكون الدولة دولة بكامل المعنى، متخرّجين أو طلابًا من جامعتنا لأن التربية الأساسيّة التي ينبغي أن تقوم بها الجامعة هي التربية على الإحساس بالمواطنة والانتماء إلى الوطن واحترام القوانين وكذلك المطالبة بالحقوق.

  •  كيف تقيّمون الوضع الاجتماعي في لبنان؟.

- المشكلة في لبنان لا تكمن في القوانين وفي الدساتير، إنما بتطبيق الأنظمة الاجتماعيّة والمدنيّة المعضلة الأساسيّة أن كلّ شيء مسيّس حيث نجد أدنى وظيفة رتبة هي مجال مناورات ومطالبات سياسيّة، وكلّ شيء يخضع للمحاصصة، فإذا نلتَ تمويل مشروع لأحد أنصارك، فإن منافسك السياسيّ سوف يطالب بالأمر ذاته.

  • إلى أي مدى يؤثر الوضع السياسيّ والأمنيّ على الطلاب؟، وكيف يتعاملون مع الأزمات؟.

- لا يعيش الطلاّب بمعزل عن مجتمعهم فهم أبناء هذا المجتمع ومن الطبيعي أن يتأثروا بما يحدث فيه، خصوصًا أن القوى السياسيّة تسعى لأن تستثمر فيهم لأنهم بناة المستقبل.

من جهتنا، نعمل وبإصرار على تنوير عقولهم وتزويدهم بأدوات المعرفة والتحليل والتقييم ليكونوا جاهزين لمواجهة الأزمات ولكي يعرفوا كيف يتعاطون معها ويتخطونها. كما أننا نسهر على تنمية حسّ المواطنة لديهم والالتزام الاجتماعي من خلال المسؤولية الاجتماعية والمواطنة، ونشركهم في مشاريع الجامعة، مثل "عملية اليوم السابع"وهي مبادرة أسستها الجامعة في العام 2006 إبّان العدوان الإسرائيليّ على لبنان، ولا تزال فاعلة وتمارس نشاطاتها، ونحن نستعدّ للاحتفال بمرور عشر سنوات على ولادتها، وسجلها حافل بالنشاطات التي تبيّن مدى التزام الجامعة وطلاّبها بالمجتمع، ودورها في السعي إلى خدمة الوطن والمواطن بعيدًا عن السياسات الضيقة أو الفئوية فجامعة القدّيس يوسف، وكما تنصّ شرعتها، وجدت لخدمة كلّ المواطنين وليس فئة أو طائفة أو طبقة أو حتى أيديولوجيّة معيّنة.

  • هل الطائفيّة السياسيّة انتقلت إلى الجامعات أم أن الطلاب هم اليوم الأكثر معرفة وخبرة باللعبة السياسية؟.

- الطلاّب هم أبناء مجتمعهم ويعكسون ما يجري في المجتمع اللبنانيّ، وحين يسود الخطاب المتشدّد أو الطائفيّ في المجتمع من الطبيعي أن يتردّد صداه في الجامعة، أما موقفنا نحن فهو ثابت دائمًا وفوق كلّ طائفيّة وأبعد من أيّ فئوية، وكما ذكرت نحن نلتزم بالمواطن ونعدّ مواطنين صالحين وقادرين على خدمة مجتمعهم. والكثير من الجامعات وحتى التي تنتمي إلى مذهب معين تشدّد في شرعتها ورسالتها على ضرورة انفتاح الطلاّب بعضهم على بعض وعلى نبذ الخطاب الطائفيّ والتفكير الطائفيّ المنغلق على ذاته والمعادي للآخر.

  • كيف ينظر الشباب إلى لبنان الغد ؟ وهل هم متفائلون بصناعته؟ وأي لبنان يحلمون به ؟.

- هم يحلمون بلبنان يسود فيه تكافؤ الفرص للجميع على قاعدة الكفاءة والعلم، لا على المحسوبيات والبطانات.

عن أي لبنان يحلمون؟ يحلمون بلبنان الخالي من القمامة ومن النفايات والفساد السياسيّ، يحلمون بلبنان تكون فيه السياسة في خدمة الناس لا لبنان الناس الذين هم ضحية السياسة.

عن أي لبنان يحلمون؟ لبنان المتعدد، المحترم لتعدديته الدينيّة والروحيّة في إطار الاحترام المتبادل والعيش معًا.

يحلمون بلبنان الحريات المسؤولة عن ذاتها وعن مستقبلها وتعددية التعبير الفعليّ عن هذه الحريات، يحلمون بلبنان العلم والتربية والرأسمال البشريّ الذي برهن أنه في ديمومة الوطن اللبنانيّ.

  • ماذا تقدم الجامعات اللبنانية للمنطقة في مجالات البحوث والبرامج والتعليم المتخصص ؟.

- طالما كانت الجامعات اللبنانية سبّاقة في مستواها الأكاديميّ المرموق، ونحن في جامعة القدّيس يوسف احتفلنا بالعيد الـ 140 لتأسيس الجامعة. إن تراكم خبرات على هذا المستوى يجعل من المؤسّسة الأكاديميّة مرجعًا ومثالاً، وكانت ولا تزال سبّاقة في ميادين عدّة.

ونحن نقدّم بالتالي إلى المنطقة العربيّة خبرة وغنى يزيدان على الـ150 سنة من تاريخ التعليم حيث تأسّست الجامعة الأمريكيّة في بيروت في السنة 1866 والجامعة اليسوعيّة في السنة 1875

واليوم بالرغم من قلّة الإمكانات تبقى بيروت وجامعاتها محجة الكثيرين من العالم العربيّ، ولو كان الوضع الأمنيّ والسياسيّ مقبولاً لكان عدد المواطنين العرب بالآلاف يأتون إلينا، كما كانوا يفعلون منذ زمن. وفي التعليم المختصّ في مجال تقويم النّطق مثلاً أو الحركيّة النفسيّة أو العمل الاجتماعيّ، لدينا النيّة في تعزيز وجودنا في دبي من خلال هذه التخصّصات المطلوبة جدًا، ونحن نعرف أن مجال البحث العلميّ في بعض البلدان العربيّة تقوّى وتعزّز لكن المفارقة أن الكثيرين من العلماء المتخرّجين من جامعاتنا، ومن جامعتنا على وجه الخصوص، يعملون في هذه المختبرات المتقدّمة وبالتالي نحن نرفد العالم العربيّ بخيرة المتخصّصين لدينا.

  • ما هي الصعوبات التي يعاني منها طلاب الجامعة اليوم وكيف يمكن معالجتها ؟

- الصعوبات متعددة: إذا استطلعنا الأمر من الناحية الأكاديميّة، فإن الكثير من الطلاّب الذين يأتون من المدارس التي لا تولي اللغات حقّ قدرها، لا يستطيعون الالتحاق بجامعات النخبة التي تشدّد على المستوى اللغويّ الإنجليزيّ أو الفرنسيّ. وكذلك الطلاّب الذين لم يعتادوا على المنهج النقديّ الصارم وعلى البحث العلميّ فسوف يواجهون بعض الصعوبة في متابعة دراستهم. إلاّ أن الجامعات متعددة على الساحة اللبنانيّة

ويسهل على الطلاّب أن يجدوا مبتغاهم في الوصول إلى الدبلوم الذي يبتغونه.

ونقول ثانية إن المشكلة الاقتصاديّة باتت في غالب الأحيان حاجزًا بين رغبة العديد من الطلاّب في الالتحاق بالجامعات الخاصّة ذات الجودة الثابتة وقدراتهم الماديّة، إذ إن هذه الجامعات التي لا دعم لها سوى الأقساط أو دعم المجتمع المدنيّ تعتمد أقساطًا مرتفعة لمواجهة الكلفة العالية للتعليم العالي في لبنان، وجامعتنا تخصّص سنويًا حوالى 2500 منحة وقرضًا لمساعدة الطلاّب الذين لا يستطيعون مواجهة القسط الجامعيّ. فنحن نعتمد على نسبة معينة من القسط لمساعدة ذوي المنح بالإضافة إلى العشرات من المانحين.

وثالثًا الكثير من الطلاّب الذين يأتون مباشرة من المدارس غير معتادين على أجواء الجامعة التعدديّة دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا وحتى مذهبيًا فهذا يخلق عندهم صدمة الاختلاف، ولذلك العديد من الجامعات المفتوحة للتعدديّة تعتمد برامج توعية للعمل على إدماج الطلاّب في بوتقة متناسقة وفي جوّ يتيح التفاعل والتخاطب بحدّ معقول من التوتر.

وهناك أيضًا على مستوى الجامعة الانفتاح الاجتماعيّ المتبادل حيث تتعزّز الصداقات بين الطلاّب، خصوصًا أن الجامعات اللبنانيّة هي مختلطة بين الجنسين. إلاّ أن المجتمع وتقاليده لا يسمحون بالكثير من الانفتاح في كثير من الأحيان.

وهناك تحدّيات يواجهها الطلبة في كلّ مكان وهي تحدّيات العصر ومواكبة جديدة وصعوبة الانخراط في سوق العمل. نحن في جامعة القدّيس يوسف نعي هذه التحدّيات ونعمل على تذليل الصعوبات وتحضير طلاّبنا ليتخطّوا هذه المعوقات جميعها، من خلال التنشئة المتنوّعة المناهل التي نقدّمها ونحرص على أن تكون شاملة.

وبفعل الأزمات أصبحت سوق العمل اللبنانيّة تضيق أكثر فأكثر، فعدد الخرّجين سنويًا يبلغ الـ 22000 طالب في حين إن السوق تعرض أقلّ من خمسة آلاف فرصة عمل، وهذا يفسّر مغادرة الكثيرين من الشباب والشابات البلد للعمل في أقطار أخرى.