بقلم : منى عبد الفتاح - كاتبة سودانية ..
شهدت بدايات هذا الشهر أغسطس/ آب مواجهة بين الحكومة الصينية ومئات المسلمين في إقليم نينغشيا شمال غرب الصين لاحتجاجهم على عزم السلطات هدم مسجد «فويكو» الكبير الذي تم بناؤه على طراز المساجد الإسلامية بقباب ومنارات عالية. ويحتلّ مسلمو إقليم نينغشيا مكانة بارزة لقرون عديدة ضمن مسلمي الصين البالغ عددهم نحو 23 مليون مسلم.

أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان قضية عرقية الأويغور المنحدرة من الأتراك وأهم أحد أعراق المسلمين في الصين. يتركّز الأويغور في منطقة تشينجيانغ ذاتية الحكم التي كانت تسمى تركستان الشرقية، وتشكّل سدس المساحة الإجمالية للصين. ويُعتبر الأويغور هم السكان الأصليون لهذه المنطقة، اعتنقوا الإسلام منذ القرن العاشر الميلادي، حيث كانوا قبل ذلك على ديانات ومعتقدات مختلفة، أهمها المسيحية والبوذية والزرادشتية. اتخذت علاقاتهم مع الصينيين طابع الكرّ والفر إذ تمكنوا من إقامة دولة تركستان الشرقية التي ظلت صامدة على مدى نحو 10 قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759م ثم عام 1876م قبل أن تلحق نهائياً عام 1950م بالصين الشيوعية.

في كتابه (طريق الصين .. رحلة في مستقبل قوة صاعدة ) ذكر الكاتب الأمريكي روب غيفورد أنّ كثيرين من مجموعة الأويغور العرقية يعتقدون أنّ المناطق التي يعيشون فيها لا يجب أن تكون جزءاً من الصين، وتوجد حركات داخل الصين لمقاومة الحكم من بكين. والأسباب الداعية لهذه المقاومة لها جذورها في طبيعة الدولة الصينية نفسها، والتحول الكامل الذي عانته في السنوات المائة والخمسين الماضية.

وكانت السيطرة الصينية على التبت وتركستان من القرن الثامن عشر إلى 1912م في أماكن عديدة سيطرة اسمية فقط. وبعد العام 1912م انهارت الصين ولم تكن قادرة على فرض سيطرتها على الغرب فقط. ولكن بعد فترة قليلة من قهر الشيوعيين للصين الشرقية في عام 1949م انطلقوا في نقل قوات إلى التيبت وإلى الشمال الغربي الإسلامي كي يرسموا حدودهم على الأسلوب الغربي، حيث كان الشعور يسود بأنّهم وجدوا تحت أسرة شينغ الأخيرة التي حكمت من 1644م إلى 1912م.

ركّزت منظمة العفو الدولية (أمنستي) على قضية الأويغور بجدية كبيرة حيث أكّدت أنّ الصين اتخذت الحرب على «الإرهاب» التي أعلنتها واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، ذريعة لحربها على مسلمي الأويغور. وعلى الرغم من أنَّ غالبية الأويغوريين يتَّبعون إسلاماً تقليدياً، لكنهم يخضعون للوائح وتعليمات أشد من تلك المفروضة على غيرهم من المسلمين في الصين.

وطبقاً لهذه اللوائح والتعليمات يُمنع القاصرون في إقليم تشينجيانغ من دخول المساجد، وكذلك يتم منع دورات القرآن الخاصة. وفي المدارس لا يُسمح بالحديث حول الدين. كما قامت السلطات الصينية بإجبار الأويغوريين على تعلم اللغة الصينية ووضعتها كلغة أصلية في تركستان الشرقية في سبيل قطع الطريق على المطالبين بانفصال المنطقة.

وبالرغم من أنّ الدستور الصيني يكفل الحريات الدينية على المستوى النظري،إلّا أنّه على صعيد الممارسة العملية ما زالت النشاطات الدينية تخضع لرقابة تنظيمية واسعة من الحكومة. هناك بعض الآراء المتعمّقة ترى أنّ هذا ليس تحاملاً على الإسلام بشكل خاص ولكنه بسبب القلق الصيني من المظاهر الدينية التي يمكنها أن تنافس العقيدة الكونفوشيسية، وهذا هو ما جعلها تتخذ مثل هذه المواقف من جميع الأديان. فمثلاً أُجبرت الكنائس المسيحية في السابق على إزالة الصلبان من سقوفها، بعد أن قالت السلطات إنّها تنتهك قواعد التخطيط الحضري.

ويمكننا ملاحظة ذلك بالنظر إلى بعض المعلومات الهامة حيث تزداد حدة المصادمات في إقليم تشينجيانغ عنها في نينغيشيا لأسباب اقتصادية. تغطي تركستان الشرقية 80% من احتياجات الصين من النفط، كما أنّ فيها أكثر من 90% من مناجم اليورانيوم، وكذلك الفحم الذي يبلغ رصيده ستمائة مليون طن. كما تمثّل منطقة تركستان الشرقية بوابة الصين نحو آسيا الوسطى ومواردها، حيث تربط تركستان الصين بحقول النفط والغاز في قرغيزستان وآسيا الوسطى، ثم إنّها لعبت دوراً تاريخياً هاماً في التجارة العالمية؛ فقد كان طريق الحرير المشهور يمر بها، وكان هذا الطريق يربط الصين بالدولة البيزنطية.

وحتى لا يُتخذ هذا الأمر كذريعة للدول الغربية بأنّ الصين تحارب الإسلام في حد ذاته لا بدّ من لفت النظر إلى أمرٍ هام. فبعد أن تأجج العداء الصيني للأويغور على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م واستقلال الكثير من البلدان التي كانت تخضع للشيوعية السوفييتية، وخصوصاً بلدان تركستان الغربية، وخوفاً من مطالبات الانفصال المتصاعدة في تركستان الشرقية قام الغرب بالتلويح بفزّاعة الإرهاب في الصين.

تمثّل ذلك في الشعار المبطّن الذي اتخذه الحزب الشيوعي الصيني للقضاء على حلم الانفصال الأويغوري بذريعة القضاء على «الشرور الثلاثة» المتمثلة في «الانفصال، التطرف الإسلامي، والإرهاب».