بقلم : سليم عزوز (كاتب وصحفي مصري) ..
من أراد أن يعرف فلسفة عبد الفتاح السيسي في اختيار معاونيه ومرؤوسيه، فلينظر إلى وزيرة الصحة، «هالة زايد» !لا أعتقد أن هذا الاختيار فاجأ أحدًا، بمن في ذلك أكثر الناس تفاؤلاً بعهد السيسي، فهو لا يختار الأكفأ، ولكنه يحتفي بالأرعن، لأنه يعتبر نفسه هو الوزير لكل الوزارات، والمسؤول بكل الإدارات، ووجود الوزراء والمسؤولين بشكل عام هو لاستيفاء الشكل، تماماً كما فعل عند تشكيل البرلمان، الذي تردد كثيراً في عملية تشكيله، ولأن الدولة الحديثة لابد وأن يوجد برلمان بها فقد كلف الأجهزة الأمنية باختيار الأعضاء «على الفرازة» ، ومن خلال التحكم في عملية الترشيح ابتداء، ولهذا فقد انطلقت مني ابتسامة عفوية، عندما قرأت أول أمس أن «علي عبد العال» رئيس هذا التشكيل، هدد المعارضة، بإعلانه أنه يحميها من الأغلبية، في برلمان صار فيه رئيس حزب «الوفد» ، أكبر الأحزاب المعارضة في مرحلة ما قبل الثورتين (يوليو 1952 ويناير2011) هو من اختيار الأجهزة الأمنية، ومقرب ونجله من عبد الفتاح السيسي، لأسباب غير معلومة، فالرجل لم تظهر له اهتمامات سياسية في السابق، فقد عرفه أهل الصعيد بأنه «محامي الدم» ، كما عرفه المستمعون القدامي للإذاعة من جيلي، بأنه من مؤلفي التمثيليات البوليسية، فهل يشعر السيسي أن «عليه تار» ، بلهجة أهلنا، عامية «ثأر» ؟!
في أي نظام آخر، ولو في عهد الرئيس المخلوع مبارك، فإن أعلى منصب يمكن أن تصل إليه «هالة زايد» مع الرأفة، ووفق قوانين المحسوبية أو «الكوسة» كما يقول المصريون، هو سكرتيرة بمكتب الوزير، ولعلها كانت كذلك في مرحلة سابقة!

فقد ورث مبارك من العهد السابق له الاهتمام بالشكل، ما دام لا يستطيع استيفاء المضمون واختيار أصحاب الكفاءات وفي وزارة الصحة بالذات، كان يحرص على اختيار أطباء لهم مكانتهم في مجالهم، وقد تم تغييب السياسية منذ حركة ضباط الجيش في يوليو 1952، والاعتماد على التكنوقراط، لذا فلابد أن يملأ الاختيار العين، حفاظاً على هيبة المنصب، ويأسف المرء أنه بعد أكثر من سبعة عشر عاماً، من معاركه الصحفية مع وزير الصحة الدكتور إسماعيل سلام، أن يسوء به الحال، حد أنه يكتب ضد «هالة زايد» ، وقد كان «سلام» قبل اختياره وزيراً طبيب قلب مرموق، وسيداً في قومه. وإن كان الحال قد اختلف في العشر سنوات الأخيرة من عصر مبارك، واختياره لوزير قطاع الأعمال عاطف عبيد، رئيساً للحكومة، وفي النهاية فالرجل كان أستاذاً جامعياً، فمن تكون «هالة زايد» ؟!

الانهيار الذي حدث في عهد مبارك، تم عندما تقدم به العمر، فصار الحكم قسمة بين زوجته وابنه، فكانت الاختيارات على مستوى اختيارات السيسي، حيث الاحتفاء بالشخصيات فارغة الشكل والمضمون، فتصبح «هالة زايد» يا إلهي وزيرة للصحة، بيد أنها جاءت في حكم، رئيس الوزراء فيه، على ذات المستوى، بعد مرحلة «الصايع الضايع» ، وهو الوصف الذي أطلقه مدير مكتب السيسي ومدير جهاز المخابرات الآن على «شريف إسماعيل» قبل اختياره رئيساً للوزراء!لا يُعرف لـ «هالة زايد» ، أي قيمة دفترية، وليس لها حضور طبي يؤهلها لأن تكون وزيرة للصحة في زمن تغييب السياسة وحضور التكنوقراط، فهي ليست أكثر من موظفة في وزارة الصحة، تقربت للوزير في عهد الإخوان فأبقى عليها موظفة، وقد كانت مجرد «عين» للأجهزة الأمنية، حتى إذا وقع الانقلاب، تم الدفع بها لنفي كل ما يقوله مستشار وزير الصحة عن أعداد المصابين والشهداء في أحداث الحرس الجمهوري، وهو دور لا يمكن أن يؤهلها للمنصب الوزاري ولو في أكثر العهود انحطاطاً، وإنما يؤهلها للاستمرار في وظيفتها الإدارية، فيتردد أن الدكتوراه التي حصلت عليها حديثاً ليست في الطب ولكن في التنمية البشرية أو شيء من هذا القبيل، وهو أمر كان يشفع لها لتكون موظفة في الـ «اتش آر» في أي قطاع بالوزارة!
لكنه زمن الخواء، وفي حكم لا يجد حضوره إلا مع أعجاز النخل الخاوية، عندئذ يمكن لعبد الفتاح السيسي، أن يقوم بدور طبيب الفلاسفة وفيلسوف الأطباء، وأن يتمايل برقبته وهو يذكر قوله تعالى: «ففهمناها سليمان» ، وبما يمثله هذا من إشارة بأنه يتلقى العلم اللّدنّي، وأي وسط يمكن أن ينبهر به؟ إلا الوسط الذي قدمت منه»هالة زايد» !

لقد قلت مبكراً إن السيسي لن يبقي على كل من له مرجعية سياسية قريباً منه، وإن نافقه، وتوقعت مبكراً أنه سيتخلص من الإعلاميين الذين يمتلكون الوعي ولو في حده الأدنى، وإن تقربوا إليه بالنوافل، لأنه يعلم أن هؤلاء لا يؤيدونه عن اقتناع، وإن قالوا فيه ما قاله المتنبي في كافور الإخشيدي، قبل مرحلة:

لا تشتري العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد!

إن مديح المتنبي للإخشيدي، لم يبدد حقيقته في قلبه، فعندما لم ينل مراده، وعند أول خلاف، فإن ما في القلب تحول إلى سوط يلهب ويقتل! وإذا كان السيسي قد استعان بثلة من الوزراء ذوي الميول السياسية في بداية انقلابه برئاسة حازم الببلاوي، فقد حرص ابتداء على أن يكونوا من أصحاب القامات المنخفضة، ومن جماعة «عبده مشتاق» ، وقد تعامل مع هذا على أنها الضرورة التي تقدر بقدرها، فقد جاء إبراهيم محلب، رئيس شركة المقاولون العرب، رئيساً للوزراء، في وقت كانت فيه الشركة تحاكم في قضية فساد القصور الرئاسية، وكان يمكن أن يدان، لكن العسكر قاموا بحمايته منذ البداية لسوابق التعاون معه في مجالات المقاولات والمعمار! وهي نفس الطريقة التي جاءت بها «هالة زايد» ، فاسمها تردد في فساد مستشفى سرطان الأطفال قبل أسابيع من اختيارها، وهي فلسفة السيسي في الحكم، فمن يدري فقد يحتاجون إليها في وقت من الأوقات لغسيل السمعة لنظام يواجه الفساد، ويتصدى للمفسدين، كما حدث في واقعة وزير الزراعة السابق، وكأنه فسد فجأة!

لقد قال الدكتور يوسف والي، الوزير القوي في دولة مبارك، ليتواضع وينفي عن نفسه كثيرًا من الاتهامات التي توجهها المعارضة: «نحن لسنا إلا سكرتارية للرئيس» ، وقد كان هذا مجازاً في عهد المخلوع، ليصبح حقيقة في عهد السيسي، عندما تكون البلاهة شرطاً من شروط الترقي الوظيفي، ومن مسوغات تعيين الوزراء واختيارهم! في أي دولة على ظهر الكرة الأرضية، يمكن أن تكون فيها المذكورة «زايد» وزيرة، وقد أصدرت قراراً مهزلة، بإذاعة النشيد الوطني في المستشفيات، وإذاعة قَسَم الأطباء، باعتبار أن هذا يؤكد الانتماء الوطني، وكأنهم اخترعوا «الدولة» تواً، وكأن «الوطنية» اكتشاف ، عثروا عليه حالاً في مقبرة لرمسيس الثاني!ثم ما هو قسم الأطباء هذا الذي يذاع مع كل بداية العمل في المستشفيات، وقد أداه القوم قبل الترخيص لهم بممارسة المهنة!إنها الوطنية البلهاء، لأن الوطنية الحقة في انتماء الوطن للمواطن، ولأنها تنقص ولا تزيد في طائفة الحكام الذين يتنازلون عن التراب الوطني، وفرطوا في مياه نهر النيل، وهؤلاء لن يزيد منسوب الوطنية لديهم ولو تم إجبارهم على ترديد النشيد الوطني قبل الأكل وبعده!ولم تكد وزيرة الصحة الهمامة، تخرج من حفرة حتى هوت إلى «دحديرة» عندما أقسمت «برحمة أبوها» في عمل من أعمال الوظيفة، وأثبتت أنها تصلح لمهنة الطبخ في الأفراح، وربما تمتلك الكفاءة التي تؤهلها لتنافس السيدة «غالية» ، في تقديم برامج الطهي في التلفزيون!و «رحمة أبو وزيرة الصحة» إنها أيام سوداء كقرن الخروب!
  
azouz1966@gmail.com