بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..
يختصر محمد مهدي الجواهري جمال عبدالناصر بطل ثورة 23 يوليو لعام 1952 في قصيدة له بأنه كان «عظيم المجد والأخطاء» والاختصار ليس مُخلاً بل يحيط بجمل ما للرجل وما عليه، كان عظيماً بالفعل ولكن الأخطاء الفادحة تنخر سيرته حتى العظم، وهذا يؤكد أن العظماء ليسوا من فئة الأولياء والقديسين بل هم من البشر، وتتيح مناسبة مرور حوالي سبعين عاماً على تلك الثورة فرصة للمراقب ليراجع صفحاتها بنزاهة وتجرد كي تأتي أحكامه بصددها خالية من الشطط، فإذا فعل وبدأ «بالمجد» وجد الكثير منه، وأوله استكمال تحرير مصر من الاستعمار بشتّى وجوهه، والمساهمة في تحرير أقطار عربية عدة، وتبنّي حركة القومية العربية، وقيام وحدة بين مصر وسوريا، وليس من المبالغة القول إنه بعبد الناصر وثورة يوليو بدأ التاريخ العربي الواحد في العصر الحديث، وقبل ذلك كان كل قطر عربي منكفئاً على ذاته، وكانت بلاد العرب عبارة عن قرى وقبائل ودساكر ونجوع وما إلى ذلك..

ويمكن أن يضع المرء في باب «المجد» ما لا يُحصى من الأمجاد في داخل مصر وفي خارجها، ولكن الصورة تهتز بين وقت وآخر وتكشف عن عيوب بنيوية في النظام ظلت تتراكم دون معالجة حقيقية حتى كانت هزيمة ١٩٦٧ التي كانت نهاية لحقبة عبدالناصر وبداية لتدهور أحوال مصر والعرب، وهذا التدهور اتسع نطاقه مع الوقت وعاد بالعالم العربي إلى حال الفرقة والضعف والتمزق الذي كان عليه في الماضي، وليس في الأفق ما يشير إلى أن هذه الحال ستتغير قريباً، بل إن في الأفق ما يشير إلى العكس، فمناخ الهزيمة لا يزال سيداً، وما صفقة القرن المعروضة على الفلسطينيين سوى دليل على ذلك.

ويتبين الآن أن هزيمة ١٩٦٧ لم تكن هزيمة عسكرية فقط، وإنما كانت هزيمة شاملة كاشفة لعلل كثيرة منها تراكم الإهمال وسوء الأداء والبيروقراطية وغياب الشعب عن المشاركة العامة، وغياب السياسة واختزال مصر بشخص واحد. كل هذا وسواه أدى إلى تلك الكارثة المروعة التي لا نزال نعيش آثارها إلى اليوم.
وكانت الديموقراطية وهي زينة الحياة السياسية وجوهرها، أبرز الغائبين، ويعبّر شعار رفعه عبدالناصر في بعض مراحل عهده عن مثل هذا الغياب: «لا صوت يعلو على صوت المعركة» وهو شعار موجّه بلا ريب إلى جمهور المثقفين الذين كان من حقهم أن يكون لهم صوت أو أصوات حول ما يجري، ولكن هؤلاء في كل مرة حاولوا أن يدلوا برأي حر قد كان مصيرهم الاعتقال أو الموت، كان عبدالناصر كاتماً للصوت وكل ما أعطاه للمصريين من وسائل للتعبير عن وطنيتهم هو تنظيمات تابعة للسلطة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الاستقلالية والمصداقية كالاتحاد الاشتراكي واتحاد قوى الشعب العامل، ولو أن صوت الشعب أو صوت المثقفين كان ممكناً، لربما آلت «المعركة» إلى غير ما آلت إليه، ولكن الذعر من المثقفين كان ذعراً متأصلاً في الذات وفي النظام، وهو ذعر عرفته وتعرفه كل الأنظمة الدكتاتورية في العالم، سواء كانت يسارية أو يمينية، وقريب من شعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة» قول آخر ورد في إحدى خطب عبدالناصر هو: «انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب» وهو قول لا مانع من أن يدلي به كل الناس إلا العسكريون الذين يُفترض أنهم وضعوا خططاً لحراسة الوطن من جميع جهاته.. وكل هذا يشي بوجود ثغرات مدمرة في البنيان الناصري أدت إلى ما أدت إليه وكان من الممكن معالجتها لو سُمح «للصوت» أن يعلو وأن يحذّر في الوقت المناسب، ولكن الصوت مُنع ولم يتح للمعركة أن تنتهي كما كان يشتهي المخلصون، والدنيا بأسرها كانت في مأتم لأن أم الدنيا هُزمت وهي لا تستحق سوى النصر.

ولو أردنا بكلمات مختصرة، على طريقة الجواهري، أن نضع أيدينا على هذه الثغرات وأن نسمّي الأشياء بأسمائها لقلنا إن فكرة «الزعيم الأوحد» وممارستها عملياً كانت السوسة التي نخرت شجرة ٢٣ يوليو وجعلتها تُصاب باليباس، ومن مظاهر هذه الممارسة الحسابات غير الدقيقة، والقرارات الخاطئة والتوقعات غير السليمة، دون أن ننسى تخلف المجتمع بوجه عام، واهتراء أنظمة التعليم والإدارة وكون الطموح أكبر من القدرة.

كان ينبغي أن تكون «الحسبة» أكثر دقة، وكل ذلك بين أيدي المؤرخين والمحللين.