بقلم - سلمى مهدي عبد العليم:

الفطرة هي المرجعية السليمة لكل خيرٍ ونبلٍ في القول والعمل، العالم بكل أناسه خُلِقَ أبيض نقياً قبل أن تناله شرور النفس وأطماعها ووساوسها.

كلّنا أيها السادة تحت ظِلال الإنسانية الحقَّة والفِطرة السليمة مِثاليون بقدرِ كافٍ، مجبولون على البر والخير والإحسان، تُحْزِنُنا البلايا تلحِقُ بنا أو بغيرِنا، تُدمِعُنا عيونُ الصغار التي ينطَفِئُ بريقُها خوفًا وذُعرًا، وتثير حَميّتنا المظالم طالَت أم قصرت.

الفطرة صعبةُ البقاء لكنها هي طوق النجاة حين يغرق هذا العالم في أطماعه ووحشيته، وهي ملاذُ الباحثين عن مأوى حينئذٍ، هي رفيقةُ الطيبين الصالحين الذين يُجاهدون أنفسهم الأمّارة بالسوء ويوجِّهون رغباتهم إلى كل نافعٍ يمتد نفعه للعامة، فهنيئًا لأولئك الذين يجاهدون الشر القابِع هنا وهناك كي يحافظوا على المساحات البيضاء في قلوبهم .. هنيئًا للأطفال الذين تُحرِّكهم غرائزهم الفطرية البريئة في كل أفعالهم وأقوالهم التي نعجز أحياناً بكل ما أُوتينا من علم ومعارف توقعها واستيعابها.

هنيئاً لأولئِك العواجيز المُسنّين الذين عادوا في شيخوختهم إلى فطرتهم الأولى ببراءةٍ تُشبِه براءة الأطفال غيرَ أن الفارق الوحيد بين براءة الطفولة وبراءة الشيخوخة أن الأولى يبدؤون منها والأخيرة ينتهون إليها.

هنيئًا لأولئك الذين لم تعبَث الحروب والأزمات والصراعات في معتقداتهم، وما زالت تُحرِّكهم حميتهم ونخوتهم ضد كل ما يتعلَّق باستباحة المُحرَّمات من الدم والعرض والمال.

هنيئَا لأولئك الذين يحاولون باستماتةٍ أن يحافظوا على ما تبقى من فطرتهم بأقل القليل من الكلام الطيب واللُّقيا بابتسامة، والتجاوز عن المساوِئ بالصفح والغفران.

هنيئًا لأولئك الذين لم يدَنِّسوا كل ما هو فطري نقي بدعوى التمدُّن والحَداثة ومحدودية الظروف ونظرية البقاء للأقوى.