برلين - الراية:

أسفرت نتائج انتخابات الدورة التاسعة عشرة للبرلمان الألماني «بوندستاج»، عن نتيجة مريرة من وجهة نظر الديمقراطيين الألمان والأوروبيين وخصوصاً المهاجرين لا سيما المسلمين في ألمانيا وفي الخارج. وهذا أول انتصار لافت للنظر لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 13% من أصوات الناخبين وأصبح ثالث أكبر حزب في ألمانيا، بعد محاولات قام بها النازيون الجدد الألمان في الماضي لاختراق الساحة البرلمانية الألمانية من خلال الحزب القومي الألماني واتحاد الشعب الألماني. ولم يكن نجاح حزب «البديل من أجل ألمانيا»، لأول مرة منذ تأسيسه في عام 2013 كحزب معارض لسياسة اليورو قبل أن يسقط القناع عن وجهه العنصري ويهاجم النظام السياسي الألماني وكذلك اللاجئين والإسلام، وينشر الكراهية والحقد بين الألمان، مفاجئاً للمراقبين، فقد استطاع بسرعة كبيرة أن ينتشر في المناطق الألمانية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ففي العامين الماضيين، تمكن من دخول برلمانات عشر ولايات ألمانيّة وحصل في بعضها على عدد من الأصوات أكثر من الأحزاب التقليدية الكبيرة. وكان حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد فشل في الانتخابات العامة السابقة في دخول البرلمان، وكذلك الحزب الليبرالي الذي شارك في غالبية الائتلافات التي تشكلت بعد تأسيس ألمانيا الحديثة. ومن المؤكد أنه سوف يغيّر الحياة السياسية في البلاد، ويخشى الكثير من المراقبين أن تنشأ في البلاد موجة من العنف ضدّ اللاجئين والمسلمين. ويعتقد البعض أن التاريخ يعيد نفسه، مشيرين إلى نجاح هتلر في الوصول إلى السلطة في عام 1933. لكن البعض يعتقدون أن الحزب المذكور سوف يواجه صراعات بين قياداته، نظراً لاختلاف آرائهم، فمنهم من يدعو إلى الاتزان ومنهم من يتحدث بلغة هتلر. ويعتقد المعلق الألماني المعروف «ياكوب أوجشتاين» أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، هي التي أنقذت حزب «البديل من أجل ألمانيا» من الزوال، بعدما فشل في الانتخابات العامة في عام 2013 وتبين أنه في طريقه إلى مزبلة التاريخ، ثم سنحت له فرصة تاريخيّة ساعدته في النهوض على قدميه، عندما سمحت ميركل بفتح أبواب ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين، وبدأ الحزب يرفع شعارات «المسلمون قادمون لغزو ألمانيا» ثم حملوها مسؤولية وقوع اعتدءات إرهابية في ألمانيا وأوروبا، وفي مدينة «دريسدن» علق متطرّفون ألمان تأثروا بهذه الشعارات المهينة لكرامة الإنسان، حبل المشنقة في الساحة العامة لميركل ونائبها زيجمار جابرييل. ووصف أوجشتاين المستشارة الألمانية التي تعرضت إلى الكثير من الانتقادات في بلدها خاصة من المعسكر المسيحي الذي تتزعمه، بأم «حزب البديل من أجل ألمانيا» بسبب سماحها للاجئين دخول الأراضي الألمانية والأوروبية بدون أوراق ثبوتيّة، وقال بعضهم إنها حملت بعض الدول الأوروبية أكثر من طاقتها حيال اللاجئين. وفشل الاتحاد الأوروبي حتى اليوم في إجبار الدول الأعضاء على تقاسم 160 ألف لاجئ، وترفض دول أوروبية شرقية منتمية للاتحاد الأوروبي استضافة نسبة محدّدة منهم رغم تهديدها بفرض عقوبات ضدها. ويُعتبر دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» دليلاً على انقسام المجتمع الألماني. فبعد أن ركز الحزب بعد تأسيسه على مناهضة اليورو وراح ينتقد سياسة ميركل في دعم الدول المتعثرة في جنوب أوروبا، لم يجد مؤيدوه في ذلك سبباً للتمسك به، إلى أن ظهرت جماعة عنصرية في مدينة «دريسدن» تحمل اسم «بيجيدا»، أي «وطنيون مناهضون لأسلمة أوروبا»، وراح مؤسسوها ومنهم المدعو «لوكاس باخمان» وهو صاحب سوابق، يقيمون تظاهرات في مدينة «دريسدن» مساء كل يوم اثنين، ولفتوا الأنظار بحجة كلامهم وتهجمهم على النخبة السياسية في ألمانيا، واللاجئين ونشر المخاوف من اللاجئين والإسلام، وظهر العديد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» مراراً في مسيرات نظمتها «بيجيدا» العنصرية. وساعد هذا التحالف في انتشار مشاعر الحقد لدى فئات واسعة من الألمان ضد اللاجئين والإسلام والنخبة السياسية في ألمانيا، وخلال الحملة الانتخابية قوبلت ميركل بالطماطم وصفير الاستهجان وكان ذلك في إطار حملة منظمة من قبل حزب «البديل من أجل ألمانيا» للتقليل من أهميتها والتعبير عن ازدرائهم لها. ويعتقد المراقبون أن المهاجرين الذين ساهموا في إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب وفي هذه الأثناء يعيش فيها أولادهم وأحفادهم، بالإضافة إلى اللاجئين خاصة المسلمين، يخشون موجة من أعمال العنف والاضطهاد، ولديهم ما يبرّر قلقهم. فقد سبق أن دعت باتريشيا فون شتورش، وهي مسؤولة كبيرة في حزب «بديل من أجل ألمانيا» إلى منع اللاجئين من دخول الأراضي الألمانية حتى لو تم الاضطرار لإطلاق النار عليهم.

كما دعا العقل المدبّر للحزب «ألكسندر جاولاند» أخيراً، إلى إبعاد وزيرة ألمانية من أصل تركي إلى موطنها في «الأناضول» وإتلافها هناك. ولا يبدو أن مثل هذه الانزلاقات حالت دون قيام ملايين الألمان من أصل أكثر من 61 مليون ناخب، بالتصويت لصالح هذا الحزب المتطرّف.