بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين) ..
كان ميكلوش هورتي عميلاً وثيقاً للنازيين، وتم تحميله مسؤولية ترحيل 600 ألف من يهود هنجاريا من قبل العهد الألماني النازي. لكن ماضي هذا الرجل لم يمنع فكتور أوربان، رئيس الوزراء الهنجاري، من أن يُشيد به في كلمة ألقاها في يونيو 2017، ووصفه حينها برجل الدولة فوق العادة.

والآن وبعد عام سافر أوربان إلى إسرائيل بالذات وكأن شيئاً لم يكنْ. والسبب أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بحاجة إلى أوربان، الرجل المُثير للجدل في الاتحاد الأوروبيّ، والعدو الأوّل للاجئين والإسلام وأوّل من أعاد بناء الأسوار في أوروبا بعد انهيار سور برلين. وأعدّ نتنياهو استقبالاً حافلاً لصديقه الشعبوي، ويُقال أنه تربط بينهما صداقة وطيدة منذ سنوات طويلة.

وحاول أوربان رسم صورة إيجابية عن بلاده، وقال في مُؤتمر صحفيّ إن حكومته تكافح معاداة السامية دون هوادة، وأكّد أن هنجاريا وإسرائيل تدركان أن خطر التطرف الإسلامي تهديد حقيقي نواجهه بقوة.

لكن البعض في إسرائيل تذكّروا ماضي أوربان وكيف أنه أشاد بمجرم حرب ولم يرتاحوا لدعوته زيارة إسرائيل التي وجهها إليه نتنياهو. وفي هذا السياق كتبت تامار ساندبيرج من الحزب اليساري الإسرائيلي المعارض «ميريتس» في تغريدة على تويتر جاء فيها « إن من يُشيد بمسؤول كان يتعاون مع النازيّين، ومن يلاحق في بلده منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والمعارضة، فإنه غير مُرحب به هنا». وكذلك يائير لابيد، رئيس حزب الوسط «جيش عتيد» وهو ابن يهودي نجا من المحرقة، انتقد نتنياهو علناً. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يأبه لهذه الانتقادات، ففي عقله مخطط يحتاج إلى تعاون وثيق مع أوربان وقادة دول مجموعة ما يُسمى «فيزيجارد» المعادية للاجئين والإسلام.

نتنياهو وأوربان من أبرز أصدقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهما دائماً أول من يهنئ ترامب على قراراته المثيرة للجدل. وبينما هناك علاقة وطيدة بين نتنياهو وترامب منذ فترة طويلة، فإن الرئيس الأمريكي اتصل أخيراً هاتفياً بأوربان لكي يُشيد بسياسته الصارمة تجاه اللاجئين.

ويجمع بين نتنياهو وأوربان، عداؤهما المشترك تجاه جورج سوروش، الخبير الاقتصادي الأمريكي المعروف وهو من أصل هنجاري، ويعتبرانه خصماً سياسياً لدوداً ولذلك فإنهما يكافحانه ويشهران به. والسبب أن سوروش، يدعم منظمات غير حكومية في مختلف أنحاء العالم وجماعات تدافع عن حقوق الإنسان، والتي تم في إسرائيل وهنجاريا أخيراً وضع قيود قانونية لحصر نشاطاتها وتهديدها بالحظر إذا استمرت تحصل على تمويل من الخارج، والمقصود هنا، جورج سوروش.

والذي يجمعهما أكثر هو عداؤهما المشترك للاتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر الجهة الدولية الوحيدة الذي ينتقد ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ويرفض بشدة تبعية ترامب في نقل سفاراته من تل أبيب إلى القدس، كما يحاول إنقاذ الاتفاقية النووية مع إيران، رغم أن ترامب أعلن أخيراً رفض التزام بلاده بها. وليس هناك من يدافع عن مصالح إسرائيل في الاتحاد الأوروبي أكثر من أوربان الذي قال في العام الماضي في بعد اجتماعه مع نتنياهو إنه من الجنون أن يُعامل الاتحاد الأوروبي إسرائيل بالأسلوب الراهن. أما نتنياهو فقال أخيراً إن الاتحاد الأوروبي هو آخر كتلة من الدول في العالم، يفرض شروطات سياسية على إسرائيل لمواصلة العلاقات معها.

وتجدر الإشارة إلى أنه من المعتاد أن يتفادى قادة الاتحاد الأوروبي عند زيارتهم إسرائيل، زيارة حائط المبكى الذي يقع على بعد أمتار من قبة الصخرة في مسجد الأقصى، وذك لأن قضية القدس وبالذات القدس الشرقية معقدة تنتظر الحل منذ عقود طويلة.

غير أن الشعبويين الأوروبيين بدأوا يخالفون هذه القاعدة إرضاءً لإسرائيل. ويُعتبر سيباستيان كورتس، المستشار النمساوي الشاب، أول مسؤول أوروبي تجاهل حساسية النزاع الفلسطيني/ الإسرائيلي، عندما زار حائط المبكى قبل بضعة أسابيع، وتعمد ارتداء «القبة» على رأسه، وبذلك وجه رسالة إلى إسرائيل تفيد أن النمسا بلد صديق حميم لإسرائيل. كما قام أوربان بخطوة مماثلة ولكي يُجامل إسرائيل أكثر، صرف رئيس الحكومة الهنجارية النظر عن زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

الواضح أن نتنياهو، أصبح يعتمد على القادة الشعبويين في الاتحاد الأوروبي مثل كورتس وأوربان، أكثر من اعتماده على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ولكن أصدقاء نتنياهو في الاتحاد الأوروبي أكثر من كورتس وأوربان.

فقد أقام علاقات وثيقة مع الأنظمة الشعبوية في كل من بولندا والتشيك وسلوفاكيا، والتي هي إلى جانب هنجاريا، الدول التي تُعرف باسم دول مجموعة «فيزيجارد» والتي لها مواقف ناقدة لسياسات الاتحاد الأوروبي وخصوصاً عندما يتم انتقاد إسرائيل. كما تساند دولَ «فيزيجارد» عندما يبحث الاتحاد الأوروبي بياناً ينتقد إسرائيل ، دول أوروبية شرقية تنتمي للاتحاد الأوروبي هي رومانيا وكرواتيا وبلغاريا. وعرقلت رومانيا وهنجاريا والتشيك بياناً للاتحاد الأوروبي يدين قرار ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس، وشاركت هذه الدول بالإضافة إلى النمسا، في حفل نقل السفارة الأمريكية. والمؤكد أنّ نتنياهو يسعى من خلال علاقته الوثيقة مع الأنظمة الشعبوية في النمسا وأوروبا الشرقية في انقسام الاتحاد الأوروبي وهو هدف مُشترك يجمعه مع ترامب.