بقلم - ممدوح محمد الشمسي :

أثبتت الدراسات الحديثة أن نسبة المبدعين من الأطفال من سن الولادة حتى سن الخامسة تصل إلى 90% منهم، وعندما يصل هؤلاء الأطفال إلى سن السابعة تقلّ تلك النسبة لتصل إلى 10%، وما أن يصلوا إلى الثامنة حتى تحطّ الموهبة رحالها على 20% منهم فقط.

وعند قراءة هذه الدراسات بعين ثاقبة نلاحظ أنها تشير إلى مدى أهمية دور أنظمة التربية والتعليم، والعادات الأسرية في إظهار معالم الموهبة لدى أطفالنا وإفساح المجال أمامها كي تبزغ وتؤتي ثمارها، أو - للأسف - طمسها داخلهم وإجهاض أحلامهم وآمالهم.

ومما لا شك فيه أن أي مُربٍ يحب لأبنائه التميّز والإبداع، ولكن المحبة شيء، والإرادة شيء آخر، فلكي نمهد لأطفالنا سبل الرعاية ونحثهم على بذل الجهد والتقدم نحو الأفضل، يجب علينا التعرف على طاقتهم ودراستها محاولة لفهمها وتوجيهها.

ولذا فإن قضية اكتشاف طاقات المتربين من أهم القضايا التي تُؤَرِّق المربي الناجح، والذي إن أحسن استثمار طاقاتهم لنفع بهم وطنه وأمته نفعًا كبيرًا، وحقق بهم التطور والازدهار، وتلك أهم صفات القائد والمربي الناجح.

وعندما نتأمل سيرة أعظم المربين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- نجد أنه أدرك هذه الحقيقة المتعلقة بأهمية الموهبة، ولم يغب عنه أن أية نهضة ناجحة تتطلب إيجاد كوادر مؤهلة لقيادة منظومة حضارية قادرة على الابتكار والإبداع ومسايرة الزمن، فعمل على اكتشاف المواهب والكفاءات وحُسْن استثمارها، وقد أظهر - صلى الله عليه وسلم - كفاءة لا نظير لها في تلمّس قدرات أصحابه ومواهبهم في مختلف صورها، واستنطاق جميع طاقات أصحابه، فلقد وجد الموهوبون في ظل رعاية النبي الكريم لهم أرضًا خصبة لنمو إبداعهم، فاستخرج مكنونات وذخائر أصحابه - رضي الله عنهم -، كلاً على قدر طاقاته واستعداده وميوله.

لا عجب حينئذ عندما نرى تنوع تلك المواهب، فيسمع القرآن مرة من أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - فيقول له معبراً عن إعجابه بجمال صوته: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود)، ويجد زيداً بن ثابت - رضي الله عنه - متوهج العقل، سريع الفهم، قوي الذاكرة، فيقول له: (يا زيد تعلَّم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتاب)، والأمثلة على ذلك أعظم من أن تُحصى.

كم نقسو على أبنائنا حين نربط مستقبلهم بمدى تحصيلهم الأكاديمي فقط، وننسى أن لديهم مواهب وطاقات تنتظر العين البصيرة، واليد الحانية التي تأخذ بهم نحو العُلا.

وختاماً ستبقى قضية (الموهبة) التحدي الأعظم أمام المُربين والمؤسسات القائمة على رعايتهم.