الدوحة -  الراية :

قال فضيلة الداعية الشيخ يوسف أبو المحاسن إن الماء سر وجود الأحياء، وهو الأساس فيما يحدث على الأرض من أنشطة تؤدي إلى سعادة الإنسان، أو تؤدي إلى شقائه، موضحاً أن المكان الذي يوجد فيه الماء تزدهر فيه الحياة، والمكان الذي ينعدم فيه الماء تنعدم فيه مظاهر الحياة والأحياء.

وأوضح أن إرادة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يكون الماء كالهواء وفرة ورخصاً في كثير من بقاع الأرض، وفي أماكن أخرى جعله عزيز المنال فادح الثمن، مضيفاً إن الخالق عز وجل وضع تحت سيطرة الإنسان البحار والأنهار للانتفاع بها وبما تحتوي عليه من خيرات وثروات، وقد أعلن الخالق عز وجل ذلك في العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي جاءت تذكر بهذه النعمة وتدعو للحفاظ عليها ومنها قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَسَخَّرَ لَكُم الأَنهارَ﴾.

البيئة المائية

 

وأكد الشيخ يوسف أن الخالق عز وجل حثنا على الحفاظ على البيئة المائية وحمايتها من التلوث وكل ما يغير من طبيعتها وصلاحيتها للاستخدام المعدة له أصلاً حتى يظل الماء نقياً نظيفاً كما أنزله سبحانه تستلذ به الحواس وتستمتع به النفوس خالياً من كل ما يؤذي أو يضر بالإنسان أو الحيوان أو النبات.

ونوّه بأن الله تبارك وتعالى أباح لعباده التمتع بالطبيات أكلاً وشرباً ولبساً وتزيناً، ولكنه لم يدع الأمر بغير قيود وضوابط بل قيد الإباحة بعد الإسراف، مشيراً إلى قوله تعالى: ﴿يٰبَنِيٓ آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

وذكر الشيخ يوسف أبو المحاسن أن استنزاف الموارد المائية والإسراف في استخدامها يعد من أخطر القضايا البيئية، لافتاً إلى أنه من الخطورة بمكان سوء استهلاك الماء والإسراف في استخدامه واعتباره مادة رخيصة الثمن مع ما له من قيمة لا يعرف قدرها إلا أولو الألباب.

عدم الإسراف

ولفت إلى أن السنة النبوية أيضاً تدعو الإنسان إلى المحافظة على الماء وعدم الإسراف في استخدامه، مشيراً إلى أن هناك أحاديث عديدة توجه دعوة صريحة إلى المحافظة على البيئة المائية وعدم التعدي عليها من منطلق أن الماء ليس ملكاً لأحد بل هو منة وعطية للخالق - عز وجل - للناس جميعاً، وقد قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك صراحة في حديثه الصحيح «إن الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» وموجب هذه المشاركة ألا يتعدى إنسان على حق الآخرين في استعمال الماء سواءٌ في كمه أو كيفه.

وأضاف: كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تلويث الماء الراكد أو الاغتسال فيه، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لايجري ثم يغتسل فيه» (متفق عليه).

تحذير نبوي

وأوضح الشيخ يوسف أن هذا النهي والتحذير النبوي بهدف المحافظة على نقاء الماء، مضيفاً إن النبي صلى الله عليه وسلم رتب اللعن على من يلوث الموارد المائية مسترشداً بما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل».

والمراد أن هذه الأفعال تجلب اللعن؛ لأن أصحابها يلعنون على فعلهم القبيح؛ لأنهم أفسدوا على الناس منفعتهم، فكان ظلماً والظالم ملعون، كما أثبتت الأبحاث العلمية أنه «ينتج عن التبول المباشر والتبرز المباشر أو إلقاء مخلفات المجاري في المصادر المائية وصول العديد من الطفيليات والميكروبات التي تضر بصحة الإنسان منها: البلهارسيا، والدودة الكبدية والإنكلستوما».

 

أحاديث كثيرة

وقال الشيخ أبو المحاسن إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في استخدام الماء في العديد من الأحاديث الشريفة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد وهو يتوضأ «ما هذا السرف يا سعد، فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم وإن كنت على نهر جارٍ»، وعن عبد الله بن معقل رضي الله عنه قال سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» «والاعتداء في الطهور أي الطهارة تجاوز الحد المعقول في استعمال الماء والخروج من حد الاعتدال إلى حد الإسراف».

ولفت إلى أنه إمعاناً في هذا التحذير نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى ترشيد استخدام الماء في الأمور التي يتكرر فعلها كالضوء والغسل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد» (متفق عليه) وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هذا الوضوء فمن زاد عن هذا فقد أساء وتعدى وظلم».

الماء والوضوء

وبيّن الشيخ يوسف أنه إذا كان استخدام الماء في أمور الوضوء والعبادة هكذا بدون إسرافٍ أو تبذيرٍ فما بالنا الآن بهذا الإسراف الشديد في استخدام المياه، وحث على المحافظة على الماء وعدم العبث بالتوازن الكمي والنوعي، مؤكداً أن الإنسان مُحاسَب يوم القيامة على هذه النعم.