بقلم :أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
قال لي الرجل: بعد تردّد طويل فاتحت صديقي في حاجتي إلى دَين لي عليه منذ بضع سنوات، إن كان يتوفّر عليه! وهو ما يعادل راتبي (التقاعدي) لستة شهور، فانتفض (الصديق) منفعلاً (مشكّكاً): كيف؟ لا يجوز! هذا مبلغ كبير لا يمكن أن يُنسى! فقلت له بهدوء مبتسماً بودّ: استدنته مني لمناسبة لك! ما دمت نسيت فلا حرج عليك! انسَ الموضوع! قلت ممتعضاً في الأخير، لا حسرة على مالي ولكن أسفاً: أن يشكّ (صديقٌ) في (صِدْق صديقِه) فسكن الوجع قلبي! حتى و(الصديق) يسرع في اليوم نفسه بعد تذكّره مناسبةَ الدّين معلناً (تصديقي) من دون اعتذار!

فات الأوان! دون أوجاع الموقف من حقيقة (الصديق) وما تمخّض عنه من نتائج! مع ذلك وجب الإبقاء على حبل الودّ؛ فقد قرأت لفعل الشيطان حسابه، لا بين الأصدقاء والخلان فحسب بل بين الإنسان ونفسه.

لم يفاجئني الرّاوي بالحادثة؛ فأنا أعرف نظائرها التي أفسدت الودّ بين أهل وأقارب وأصدقاء، بل بين آباء وأبناء؛ فقدّرت حجم الفاجعة التي يسببها المال بين الخلان، فالثقة المفترضة بين الصديقين حين يكونان صدوقَين كانت وحدها كفيلة بجعل الصديق المَدين يغضب من نسيانه لا أن يشك في صديقه صاحب الدين الذي ارتقى حسّه مقدّراً ظروف النسيان لدى صديقه، مقرّراً التسامح و(السماح) في دَينه، عن طيب خاطر، تجاه صديقه الذي سرعان ما تذكّر لقرينة أُلهمها، هكذا التدارك في الصداقة غير الرخوة:»سريع اتصالها بطيء انقطاعها» كما قال (ابن المقفع): الذي أضاف في (الأدب الكبير): ينبغي أن تقبل من صديقك»العفو وتسخو نفسك عما اعتاض عليك...غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد...وأن الرضا في العفو والمسامحة في الخلق مقرّب لك كل ما تتوق إليه نفسك، مع بقاء العِرض والمودة والمروءة»(ص123ص) تذكّرت هذا المبدع العربي اللغة والعقيدة إذن( ابن المقفع:106-142هج/724-759م) الذي خصّص أكثر من نصف كتابه هذا للحديث عن الصديق والصدق والوفاء: «لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك وإن ظهر لك منه ما تكره...فإنه عرضك ومروءتك، فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه»(ص:104).

هكذا يمتصّ (ابن المقفّع) رحيق الفكر الفارسي واليوناني في ظلال القيم النبيلة وآداب الإسلام، فيجري بذلك قلمه العربي الرزين الهادف للخير «اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء وعُدّة في الشدة ومعونة على خير المعاش والمعاد، فلا تفرّطنّ في اكتسابهم «(ص:108)
هي رؤى هذه الشخصية الأدبية الثانية في هذه المرحلة من (تراثنا الأدبي الفني) بعد أستاذه وزميله مِثَال الإخلاص وحِفْظ الودّ(عبد الحميد الكاتب:قُتِل132هج/750م) فانسكبت تجربته لآلئ فكرية ولغوية ودينية تربوية، ختمها بصورة عن صاحب له، كان خاتمة الكتاب: صفة الإنسان النموذجي، في حياته: علماً وخلقاً ووفاء وعفة:» إني مخبرك عن صاحب لي، كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه في عيني صِغر الدنيا في عينه. كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يتشهّى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً من سلطان فرجه فلا يدعو إليه ريبة... وكان خارجاً من سلطان لسانه فلا يقول ما لا يعلم، ولا ينازع في ما يعلم...كان أكثر دهره صامتاً، فإذا نطق بذّ الناطقين ...كان لا يدخل في دعوى ولا يشترك في مِراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً عدلاً وشهوداً عدولاً.

وكان لا يلوم أحداً على قدر ما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره...فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تُطيق، ولكنّ أخْذَ القليل خير من ترك الجميع»(ص:134)
سمعت وقرأت ورأيت؛ فقارنت بين أمسٍ بَعُد أو قرُب واليومِ؛ فابتأست! أين نحن اليوم بأنانية الفرد من تجربة (ابن المقفّع) هذه للأصدقاء المثاليّين التي افتتحها بقوله: متوسعاً في الإنسانية» ابذل لصديقك دمك ومالك...وللعامة بشرك وتحنّنك، ولعدوّك عدلك وإنصافك، واضنَن بدينك وعِرضك عن كل أحد»(ص:98)

حرّك كلّ هذا حديثٌ صديقٍ عن صديقه، فنكأ مواجع فيما هو أبعد من الأصدقاء في محيط بلغ تلوّثه أبعد مدى! حتى كاد التأَقْلُم يتعذّر، عملاً بمبدأ: «إذا لم تستطع التغيير غيّر ما بنفسك» في (أشكال التعامل) لن تتحكّم في الزّحام اليومي لكن وطِّن نفسك على تحمّله والصبر عليه، محتسباً متجمّلاً! أنت في زمن رديء!


E-Mail: beng.33@hotmail.com