كتب- نشأت أمين:

أكّد فضيلة د. محمود عبدالعزيز أن جبر الخواطر طاعة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وهي من أجلّ القربات بشرط واحد هو أن يكون هدف هذا الإنسان استنزال رضا الله سبحانه وتعالى عنه.

وأوضح أن جبر الخواطر خلق إسلامي عظيم يدلّ على سمو نفس وعظمة قلب وسلامة صدر ورجاحة عقل وكرامة أصل، وأصالة معدن وشهامة مقدرة ورجولة مباركة، مشيراً إلى أنه يعني تثبيت الآخر ورفع همته وتهوين مصيبته وإقالة عثرته والأخذ بيده حتى يقف على قدمه.

وقال د. محمود في محاضرة عن تطييب الخواطر إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجبر كل خاطر كسير حوله صغيراً كان أو كبيراً رجلاً كان أو امرأة، فكان الكل يأوي ويسعى إليه.

أدب إسلاميّ رفيع

وأضاف: تطييب النفوس المنكسرة وجبر الخواطر من أعظم أسباب الألفة والمحبة بين المؤمنين، وهو أدب إسلامي رفيع، وخلق عظيم لا يتخلّق به إلا أصحاب النفوس النبيلة وهي أكثر عبادة مهجورة.

وتابع : لقد عقد المولى عزّ وجلّ عَقْدَ الأخوة بين المؤمنين، وجعلهم بنعمته إخواناً، وهذه الأخوة تقتضي الإحسان، والإحسان درجات وأنواع.

وأكّد أن تطييب الخواطر عبادة جليلة، وقد نصّ أهل المعتقد من أهل التوحيد والسنة على ذلك حتى في بعض مصنفاتهم في العقيدة.

وشرح د. محمود عبد العزيز عدداً من النماذج في تطييب الخواطر.

فأوضح أنه استُحبت التعزية لأهل الميت لمواساتهم وتطييب خاطرهم، عند فقد ميّتهم، كما أن تطييب خاطر المطلقة بنفقة التمتع، وهو حقّ على المحسنين، متاعاً بالمعروف، فإذا لم يفرض لها مهر كان المتاع واجباً على المطلق، وإذا كان لها مهر أخذته، فإن تمتيعها بشيء تأخذه معها وهي ترتحل من مال غير المهر، أو ثياب، أو حلي، ونحو ذلك؛ جبر لخاطرها، وتطييب للقلب المنكسر بالطلاق.

القتل الخطأ

وأوضح أن من نماذج تطييب الخواطر دفع الدية في قتل الخطأ لجبر نفوس أهل المجني عليه وتطييباً لخواطرهم.

وأضاف د. محمود : لقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم لأنه أعرض عن الأعمى، وقد جاءه يستفيد، يسأل، يا رسول الله: علمني مما علمك الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام منشغلاً بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله تعالى : « عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى»، قال القرطبي: «فعاتبه الله على ذلك؛ لكي لا تنكسر قلوب أهل الإيمان».

دلائل من السنة

وذكر د. محمود أن تطييب الخواطر لمن انكسر قلبه من مصيبة أمر واضح للغاية في السنة النبوية، واستشهد بما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا جابر: مالي أراك منكسراً، قلت: يا رسول الله: استشهد أبي (قتل يوم أحد وترك عيالاً وديناً، (أخوات ودين، وليس إلا جابر)، قال عليه الصلاة والسلام: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: يا عبدي تمنّ عليّ أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

قصة أبو أمامة

ولفت إلى أنه كان عليه الصلاة والسلام يطيّب خواطر هؤلاء الذين أثقل كاهلهم الدين، ولا يجدون ما يواجهون به مهمات الحياة ووظائفها: كالزواج، دخل عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامه، فقال: (يا أبا أمامه، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى عنك دينك، قلت: بلى يا رسول الله؟ قال: قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز، والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، قال أبو أمامه: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني).

إنصاف الغلام

وبيّن أنه قد ينبغُ في المسلمين نابغة، ويفي للحق غلام، ويكون صادقاً في نقله، حريصاً على مصلحة الإسلام، واعياً لمؤامرات المنافقين، لكن لا يكون له إثبات في نقله، أو مستند، وحجة في مواجهته لهؤلاء المنافقين وهو صغير السن، فلا يؤخذ بقوله، بل يستنكر عليه فينكسر، فينزل الله قرآناً في تطييب نفس ذلك الغلام.

وذكر د. محمود عبدالعزيز في هذا الشأن بأنه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: (أنه لما سمع قول عبد الله بن أبي لأصحابه وكان بمعزل عن جيش المسلمين، ولم يأبهوا لذلك الغلام، فقال عبد الله المنافق لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، (أبلغ زيد عمه، وأبلغ العم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن أبي، وجاء، وحلف، وجحد، قال زيد: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم (وصار اللوم على زيد، كيف تنقل مثل هذا الكلام الخطير، أنت غلام لا تعلم ماذا يترتب على مثل هذا الكلام)، قال زيد: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أني لي بها الخلد في الدنيا.

آيات القرآن

وأوضح د. محمود أنه هذا هو سبب نزول قول الله تعالى في سورة المنافقون: « يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»،

حيث صدّق الله عز وجل الغلام، وأنزل تصديقه في كتابه، من خلال آيات تتلى، إلى يوم الدين شاهدة على البر والوفاء، وعلى الوعي، وسرعة تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل، وهذا من مقتضيات الإيمان في مواجهة أهل النفاق والكفران، حيث يحتاج الناس دائماً إلى كلمة حانية، ومواساة كريمة، وذلك لكثرة حوادث الدنيا.