بقلم - د. علي المرداسي:

هو شعار يتداوله السياسيون ويتواتر في العديد من المنابر الإعلاميّة وفي مطويات الحملات الانتخابية دونما إلمام حقيقي أو إدراك عميق لأهمية ومغزى هذا الشعار. إنَّ الإنسان كما بيَّن عالم الاجتماع ابن خلدون مدنيٌ بطبعه والمدنيَةُ في حقيقتها أساليبُ تعامل بين أفراد المجتمع وتنظيمٌ لعلاقات الشعوب داخل بلد واحد، ومن هنا نتبيَنُ أهميَة عُلويَة القانون ووجوب سيادته ليكون خير ضمان لحسن تنظيم العلاقات بين الناس ولديمومة السلم الاجتماعي في الدولة.

لقد عانت الحضارات الإنسانية لعقود ليست بالبعيدة من تسلّط الغزاة والجبابرة والطغاة ومن تواتر الهجمات والحروب وتوسيع حدود الإمبراطوريات فضاقت الشعوب ذرعاً من نتائج تلك الغزوات وتفشَّت في المجتمعات مظاهر الفقر والمجاعة والتشريد والأوبئة وما كان للأفراد الحق في التظلّمِ أو في المطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية، فالمستعمر الغازي هو الآمر الناهي الحاكم بقانونه: قانون القوّة.

أستحضر وأنا أكتب هذه الكلمات المقولة العربية الحكيمة بأنّ الصحّة تاج فوق رؤوس الأصحّاء لا يعرفها إلّا المرضى وينطبق هذا المثال تماماً على الموضوع الذي نتداوله في هذا المقال فمن يُسرف في إنفاق الأموال لا يحسّ بقيمة الدّنانير إلّا حين افتقاره لها، ومن يُسرف في إهدار المياه لا يحسّ بأهميتها إلّا في حالات العطش أو الجفاف، وقياساً على ذلك فكثير القوم لا يحسون نعمة العيش في مجتمع مدنيٍّ تعلو فيه راية القانون ويخلو فيه التسلّط والتجبّر والطغيان ما لم يكتووا سابقاً بذلك العذاب أو على الأقلّ ما لم يتعرّفوا ويتمعّنوا في تجارب شعوب وحضارات مرّت بتلك المحن.

قد يستحضر الكهولُ والشيبُ مِنَّا تاريخ المجتمعات التي عانت الويلات من توالي الحروب والمجاعات والمآسي والتي شهدت نتائج الطغيان والاستبداد ولكنَّ النزر القليل من شبابنا فقط قد يكون ملمّاً بهذه الأمور ولمَّا كان شبابنا وأطفالنا الحلقة الأهمّ في نسيجنا الاجتماعي وهمزة الوصل الأثمن لترسيخ قيمنا المستقبلية صار واجباً علينا التفكير في السبل الكفيلة بإنارة أطفالنا حول أهمية القانون ووجوب عُلويّتِهِ واحترامه من جميع أفراد المجتمع.

قد يبدو لوهلة أنَّ هذه المفاهيم صعبة الاستيعاب على صغار السن أو أنها بالغة التعقيد في مثل هذا العُمر، ولكن في حقيقة الأمر لا بُدّ من ترسيخ مثل هذه القيم منذ نعومة الأظفار، فإن كان العلم في الصغر كالنقش على الحجر فإنَّهُ يجدر بنا بادئ ذي بدء أن نعلَّم نشأنا ماهية القانون وضرورة احترامه وأهميته للرفعة من شأن المواطنين وضمان تعايشهم في بيئة سلمية وسليمة. قد تختلف الطرق البيداغوجية لتخصيص حيّز من المناهج التعليمية التي تُعنى بهذه المواضيع وذلك حسب سِنّ الطُّلّاب وحسب طبيعة المناهج الدّراسية، ولكن تناول هذه المواضيع ضروري منذ الصغر، فهي السبيل الأمثل لترسيخ قوّة القانون ودحر قوانين القوّة والاستبداد.

alimardassi@gmail.com