• كتب قصيدته "قفي يا أخت يوشع خبرّينا" وعدد أبياتها ٨٤ في جلسة واحدة
  • نظم قصيدة "النيل" التي غنت أم كلثوم بعضاً منها في ليلة واحدة
  • كان يعمل على مسرحياته الأربع في وقت واحد

جهاد فاضل:

لم يكن أحمد عبدالوهاب الذي أصدرت له الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر حديثاً كتابه عن أمير الشعراء شوقي، كاتباً أو ناقداً، وإنما كان مجرد سكرتير شخصي لشوقي. وهو بذلك يختلف عن سكرتير آخر لشوقي يُدعى أحمد محفوظ ترك كتاباً قيماً عن شوقي لأنه كان أديباً. ولكن أحمد عبدالوهاب، وإن لم يكن أديباً أو ناقداً، فقد كتب عن شوقي كتاباً دسماً مليئاً بالمعلومات والوثائق التي لا يستغني عنها الباحث في سيرة شوقي. وقد كان هذا السكرتير رجلاً فاضلاً مخلصاً أيما إخلاص لسيّده، وإن لم يكن متمكناً من العربية على النحو الذي يُفترض في من يتصدى لتأليف الكتب أن يكون. وإذا كان زميله أحمد محفوظ قد تكفل بتحليل أدب وشعر ومسيرة شوقي على نحو جيّد، فإنه قدم صورة أخرى لشوقي في حياته اليومية، وفي كيفية نظمه للشعر، وفيما لا يُحصى من أحوال السيرة الذاتية لشاعر كبير بسط سلطانه على العصر الحديث تماماً كما بسط المتنبي سلطانه في الزمن القديم على عصره.

يبدأ الكتاب بما يعطي لقارئه صورة بسيطة موجزة ولكن دقيقة عن واضع الكتاب وعن شوقي. فهو يقول:

«كان من علامات توفيق الله أن هيّأت الظروف التحاقي بخدمة أمير الشعراء فقيد العربية أحمد شوقي بك، وشاء الله أن يتوّج اسمي بلقب السكرتير لهذا الرجل العظيم» إنه فخور بسيده، كما هو فخور في المهمة التي أوكلت إليه.

ويضيف: «وقد أتاح لي هذا التوفيق الذي رزقته أن أكون من هذه العظمة عن كثب، وأن أنزل من هذه العبقرية الفذة في موضع سرّها وكاتب وحيها. وزاد الله في النعمة فوسع لي في المنة ومتعني بها ما شاء أن أتمتع، فألهم مولاي، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عني أفضل ما يجازى به متبوع عن تابع، أن يجدّد رضاه عليّ، ويضاعف ثقته فيّ، فكنت كل يوم أجده أكثر عطفاً علي وإقبالاً نحوي أكثر من اليوم الذي سبقه، حتى لقد قال لي يوم وفاة والدي مواسياً: أما ترضى أن أكون لك والداً منذ اليوم، وهكذا تسنّى لي أن ألتزم هذه الشخصية النادرة ملازمة نادرة أيضاً. فقد كنت أقابل مولاي في كل صباح فلا يتركني ولا أتركه إلا بعد نصف الليل بساعة أو ساعتين، وعلى الأخص في السنوات الأخيرة، فقد كنت في تبعيته أكاد أكون وظلّه سواء».

وهذا الإنسان الطيب الذي لازم شوقي كظله، والمقدر له أعظم تقدير، يقول أيضاً:

«من حق كل عربي، بل من حق كل إنسان، أن يعرف كيف كان أحمد شوقي بك يعيش، لأنه لم يكن يعيش لنفسه وحسب، وإنما كان يعيش للملايين الناطقة بالعربية. وأشهد أني ما رأيته يعيش لنفسه ساعة واحدة، وإنما كان أبداً عاملاً فيما هو مسيّر له من ناحيته الأدبية والفكرية. إذن من حق هذه الملايين أن تعرف كل شيء عن هذه الشخصية التي تركت في كل قلب أثراً لا تكاد تبليه السنين».

ومما ينشره أحمد عبدالوهاب في كتابه، مقدمة شوقي لديوانه «الشوقيات وفيها يروي نادرة عن طفولته وعلاقة أسرته بالقصر.

يقول شوقي :

«أخذتني جدتي لأمي من المهد، وكانت منعمة موسرة فكفلتني لوالدي وكانت تحنو عليّ فوق حنوّهما وترى لي مخايل في البر مرجوة، حدثتني أنها دخلت بي على الخديوي إسماعيل وأنا في الثالثة من عمري وكان بصري لا ينزل عن السماء من اختلال أعصابه، فطلب الخديوي بدرة من الذهب ثم نثرها على البساط عند قدميه فوقعتُ على الذهب أشتغل بجمعه واللعب به. فقال لجدتي: اصنعي معه مثل هذا فإنه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض. قالت له: هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي. قال: جيئي إليّ به متى شئتِ، إني آخر من ينثر الذهب في مصر».

لعل أروع ما في كتاب أحمد عبدالوهاب حديثه عن شوقي وكيف كان ينظم الشعر..

«كان -رحمه الله وعزّى العربية بفقده- ينظم الشعر في أي وقت شاء، وفي أي مكان أراد. كان ينظمه جالساً وماشياً ومسافرا ومقيماً، وكان ينظمه وهو وحده، وأيضاً وهو مع أصدقائه أو زواره. وكذلك كان ينظمه فرحاً وحزيناً، كما كان ينظمه وهو مجد لأي عمل، أو لاهٍ بأي منظر.. وقد كنت أدخل السينما بصحبته وكان دأبنا في ذلك أن نقطع تذكرتين مختلفتين إحداهما أمام الشاشة وهي له ليتمكن من رؤية المناظر عن قرب، والثانية تكون لي قائلاً: اجلس حيث شئت وكما تريد. في ذات مرة اتفق أن الرواية (يقصد الفيلم) كانت ضعيفة وكنت غير مرتاح لها ولكنني اضطررت للبقاء مجاراة لرغبته في عدم الانصراف، فلم يسعني بعد انتهاء الرواية إلا أن قلتُ له: لقد كانت الرواية ضعيفة ومملة، فقال، جدّاً. قلت: ولم بقينا ولم نخرج؟ فقال.. تركتها في أول نظرة وشرعت أنظم.. ثم نظر في وجهي وقال: لا تظن أن رؤيتك لمثل هذه الرواية الضعيفة تمرّ بدون فائدة. فقد تعرف مواطن الضعف فيها، وهذا يفيدك قوة، ثم تعرف قيمة الرواية التي تراها في الغد إذا كانت من نوع أقوى لأنه لا يظهر فضل الخفيف الجميل إلا إذا ظهر البغيض الثقيل، ولا يحسّ الإنسان بقيمة النعمة إلا بعد الحاجة.

ثم مضى نصف ساعة تحدثنا أثناءها في أحاديث أخرى، ولكنه عاد وقال: كنا من وقت نتكلم عن أن الضدين يظهران بعضهما، مثل ذلك مثل الصحة يراها المريض تاجاً على رؤوس الأصحاء.. ثم ابتسم وقال: مع أن المريض كان صحيحاً قبل ذلك ولا يشعر على رأسه بطاقية فضلاً عن التاج.. ثم خلص من هذا الحديث وسكت، فإذا به ينظم بقية الشعر الذي كان بدأ فيه وهو في السينما» !.

وهو يروي حكايات كثيرة تدل على عبقرية شوقي ومقدرته الفذة في النظم.

«جاء مرة من منزله في المطرية فوجدني في المكتب الساعة الحادية عشرة والنصف، فأملى علي ثمانية وعشرين بيتاً من قصيدته التي مطلعها:

قفي يا أختَ يوشعَ خبّرينا

أحاديثَ القرونِ الغابرينا

ثم قال لي: لا تبعد عني حتى إذا جاءني شيء أمليته عليك.. وخرج يمشي حول العمارة فكان كل بضع دقائق يعود فيمُلي عليّ خمسة أو ستة أو سبعة أبيات. وأخيراً دخل المكتب وجلس على مقعد وأخذ يمرّ براحته اليسرى على رأسه، ففهمتُ أنه ينظم في سرّه لأنه كثيراً ما كان يفعل ذلك أثناء النظم، ثم قال: اكتب، فكتبتُ وكتبت ونظرنا الساعة فإذا هي الواحدة بعد الظهر. فقال: كفى أعطني ما كتبت لأني على موعد في هذه الساعة مع داود بك (يقصد داود بركات رئيس تحرير الأهرام) فقدمتها له بعد أن عددت أبياتها فوجدت أنها أربعة وثمانين بيتاً!.

ويروي أحمد عبدالوهاب أن شوقي كان يكتب في نفس الوقت مسرحياته الأربع: قمبيز، علي بك الكبير، النجيلة، الست هدى: «كان يشتغل في الأربعة معاً، يقول لي: اكتب في رواية قمبيز.. فإذا انتهى يقول لي: اكتب الآن في علي بك الكبير.. وقد كان يحدث كثيراً أن يدخل علينا زائر أو زائرون فيحدثهم ويحدثونه حتى إذا انتهت الزيارة واستأذنوا التفت إلي وقال: اكتب.. فيسرع في الإملاء، وأسرع أنا في الكتابة كأنه لم ينقطع، وكأنه لم يكن مشغولاً باستقبال أحد، بل كأن أحداً لم يقطع عليه ما كان ذهنه يعمل فيه. وفي إحدى المرات لاحظ علي دهشتي من قدرته هذه على نظم الشعر، فقال: لا تظن أن محادثتي للناس تعطلني عن عملي.. وقد أخبرني صديق من أصدقائه: لقد لازمته ليلة في بوفيه «دولا بروميناد» على كوبري قصر النيل، وكان ذلك قبل الحرب فشرع يعمل في قصيدة النيل التي مطلعها:

من أي عهد في القرى تتدفقُ

وبأيّ كفٍّ في المدائن تغدق

وكان كل نصف ساعة يركب مركبة خيل، ويسير في الجزيرة بضع دقائق، ثم يعود إلى المنضدة التي كان يجلس إليها فيكتب عشرة أو اثني عشر بيتاً، وهكذا حتى انتهت القصيدة في ليلة، إلا بيتا استعصى ولم يتمكن منه إلا بعد يومين!.

في أثناء قراءة بروفات «مجنون ليلى» أو «كليوباترا» كثيرا ما كان شوقي يقول لي: زد تحت بيت كذا هذا، ويملي عليّ أربعة أو خمسة أبيات، هذا وهو يسمع لي ولم أكن انتهيت بعد إلى آخر الصحيفة التي قال لي: زدّ في أولها كذا.. وكان إذا شغلته أشياء عن قصيدة طلب إليه عملها ولم يتذكرها إلا قبل ميعادها بساعات، أو عند طلبها، ابتسم وطلب أن يتناول صفار ثلاثة من البيض التي يشربها نيئة، ثم يبدأ في النظم، فلا تمضي ساعة حتى تكون القصيدة في يد طالبها.

ويروي أحمد عبدالوهاب حكاية كيفية نظم شوقي لقصيدة «النخيل» وهي قصيدة لم يسبق أحد شوقي إلى النظم بها لا من الشعراء القدامى ولا المحدثين. المعروف أن النخيل، وهو شجر الصحراء وفاكهة أهلها، رفيق للعرب منذ القديم، ولكن أيا من الشعراء لم يخصه بقصيدة، ولم يتوقف عنده إلا نادراً وقليلاً، وهذا أمر مستغرب. ولكن شوقي التفت إلى هذه الشجرة المباركة وكتب فيها قصيدة من أجمل القصائد.

فتحت عنوان «في نصف ساعة» وتحت عنوان فرعي «في الساعة الخامسة من مساء ١٨ يولية سنة ١٩٣١» يمّهد أحمد عبدالوهاب لقصيدة شوقي عن النخيل بما يلي:

«كنا في الشارع الجديد الموصل من المنتزه إلى شارع أبي قير، وهو الشارع الذي تعوّدنا الرياضة فيه يوميا سيراً على الأقدام. وعندما خرجنا من السيارة وقف ينظر إلى النخيل، ثم قال لي: اكتب، فأخرجتُ قلما وورقا وأملى عليّ ما يأتي:

 

أَرى شَجَراً في السَماءِ اِحتَجَب

وَشَقَّ العَنانَ بِمَرأى عَجَب

مَآذِنُ قامَت هُنا أَو هُناكَ

ظَواهِرُها دَرَجٌ مِن شَذَب

وَلَيسَ يُؤَذِّنُ فيها الرِجالُ

وَلَكِن تَصيحُ عَلَيها الغُرُب

وَباسِقَةٍ مِن بَناتِ الرِمالِ

نَمَت وَرَبَت في ظِلالِ الكُثُب

كَسارِيَةِ الفُلكِ أَو كَالمِسَل

لَةِ أَو كَالفَنارِ وَراءَ العَبَب

تَطولُ وَتَقصُرُ خَلفَ الكَثيبِ

إِذا الريحُ جاءَ بِهِ أَو ذَهَب

تُخالُ إِذا اِتَّقَدَت في الضُحى

وَجَرَّ الأَصيلُ عَلَيها اللَهَب

وَطافَ عَلَيها شُعاعُ النَهارِ

مِنَ الصَحوِ أَو مِن حَواشي السُحُب

وَصيفَةَ فِرعَونَ في ساحَةٍ

مِنَ القَصرِ واقِفَةً تَرتَقِب

قَدِ اِعتَصَبَت بِفُصوصِ العَقيقِ

مُفَصَّلَةً بِشُذورِ الذَهَب

وَناطَت قَلائِدَ مَرجانِها

عَلى الصَدرِ وَاِتَّشَحَت بِالقَصَب

وَشَدَّت عَلى ساقِها مِئزَراً

تَعَقَّدَ مِن رَأسِها لِلذَنَب

عند هذا البيت كنا قطعنا كيلو متراً سيراً على أقدامنا وكان يتخلل المسير قليل من الوقوف والنظر إلى النخيل. ثم ركبنا السيارة وبعد خطوات قليلة قال لي: اكتب، فأخرجت القلم للمرة الثانية فقال:

أَهَذا هُوَ النَخلُ مَلكُ الرِياضِ

أَميرُ الحُقولِ عَروسُ العِزَب

طَعامُ الفَقيرِ وَحَلوى الغَنِيِّ

وَزادُ المُسافِرِ وَالمُغتَرِب

فَيا نَخلَةَ الرَملِ لَم تَبخَلي

وَلا قَصَّرَت نَخَلاتُ التُرَب

وَأَعجَبُ كَيفَ طَوى ذِكرَكُنَّ

وَلَم يَحتَفِل شُعَراءُ العَرَب

أَلَيسَ حَراماً خُلُوُّ القَصا

ئِدِ مِن وَصفِكُنَّ وَعُطلُ الكُتُب

وَأَنتُنَّ في الهاجِراتِ الظِلالُ

كَأَنَّ أَعالِيَكُنَّ العَبَب

وَأَنتُنَّ في البيدِ شاةُ المُعيلِ

جَناها بِجانِب أُخرى حَلَب

وعند هذا البيت كنا في منتصف شاع فكتوريا (شارع إسماعيل باشا صدقي الآن) فقال لي: كفى. فرددتُ قلمي وورقي إلى جيبي، ولكن لم تمضِ ثوانٍ حتى قال لي.. انظر إلى جمال هذه النخلة في حديقة المنزل، وأشار إلى منزل على اليمين ثم قال لي: أكتب:

وَأَنتُنَّ في عَرَصاتِ القُصورِ

حِسانُ الدُمى الزائِناتُ الرَحَب

ثم قال: كفى، حتى إذا كنا أمام المنزل وفتح باب السيارة قال لي: ألستَ دمياطياً؟ قلتُ : بلى. قال كأنك ولدت في وسط النخيل (يريد أن دمياط محاطة بكثير من النخيل). فماذا رأيت وهل تركنا له شيئاً؟

وخرجنا من السيارة إلى "فرندة" المنزل فجلسنا وأخذت أتذكر بضع دقائق، ثم قلت له: لم نترك إلا تعدّد ألوانه، فابتسم وقال: أنت اليوم حاضر الذهن. ثم قال لي في الحال.. اكتب، وقبل أن أُخرج القلم والورق قال:

 

جَناكُنَّ كَالكَرمِ شَتّى المَذاقِ

وَكَالشَهدِ في كُلِّ لَونٍ يُحَب

وتحت عنوان «في ٢٨ يوليه سنة ١٩٣١ بالإبراهيمية / الاسكندرية» يقول سكرتير شوقي: «خرجنا في الضحى نتريّض أمام المنزل فنظر إلى البحر ثم نظر إلى شاطئه، وعليه الفتيان والفتيات يمرحون، فقال: اكتب.

فأخرجت القلم والورق وأخذت اكتب:

أَمِنَ البَحرِ صائِغٌ عَبقَرِيٌّ

بِالرِمالِ النَواعِمِ البيضِ مُغرى

طافَ تَحتَ الضُحى عَلَيهُنَّ وَالجَو

هَرُ في سوقِهِ يُباعُ وَيُشرى

جِئنَهُ في مَعاصِمٍ وَنُحورٍ

فَكَسا مِعصَماً وَآخَرَ عَرّى

وَأَبى أَن يُقَلِّدَ الدُرَّ وَاليا

قوتَ نَحراً وَقَلَّدَ الماسَ نَحرا

وَتَرى خاتماً وَراءَ بَنانٍ

وَبَناناً مِنَ الخَواتِمِ صِفرا

وَسِواراً يَزينُ زَندَ كَعابٍ

وَسِواراً مِن زَندِ حَسناءَ فَرّا

وَتَرى الغيدَ لُؤلُؤاً ثَمَّ رَطباً

وَجُماناً حَوالِيَ الماءِ نَثرا

عند هذا البيت عدنا إلى الفرندة وجلسنا، فقال لي: صفْ لي السماء والبحر والشاطئ وما عليه.. ثم ابتسم وقال: ولكن ليس شعراً لأنك كما قلت لك من قبل لستَ موفقاً في الشعر..

ثم قال شوقي لسكرتيره: اكتب.. وأملى عليه التالي:

وَكَأَنَّ السَماءَ وَالماءَ شِقّا

صَدَفٍ حُمِّلا رَفيفاً وَدُرّا

وَكَأَنَّ السَماءَ وَالماءَ عُرسٌ

مُترَعُ المَهرَجانِ لَمحاً وَعِطرا

أَو رَبيعٌ مِن ريشَةِ الفَنِّ أَبهى

مِن رَبيعِ الرُبى وَأَفتَنُ زَهرا

أَو تَهاويلُ شاعِرٍ عَبقَرِيٍّ

طارَحَ البَحرَ وَالطَبيعَةَ شِعرا

وهنا قال: كفى.

وفي المساء قبل النوم أملى عليّ هذه الأبيات:

يا سِوارَي فَيروزَجٍ وَلُجَينٍ

بِهِما حُلِّيَت مَعاصِمُ مِصرا

في شُعاعِ الضُحى يَعودانِ ماساً

وَعَلى لَمحَةِ الأَصائِلِ تِبرا

وَمَشَت فيهِما النُجومُ فَكانَت

في حَواشِيهِما يَواقيتَ زُهرا

لَكَ في الأَرضِ مَوكِبٌ لَيسَ يَألو الر

ريحَ وَالطَيرَ وَالشَياطينَ حَشرا

سِرتَ فيهِ عَلى كُنوزِ سُلَيما

نَ تَعُدُّ الخُطى اِختِيالاً وَكِبرا

وَتَرَنَّمتَ في الرِكابِ فَقُلنا

راهِبٌ طافَ في الأَناجيلِ يَقرا

هُوَ لَحنٌ مُضَيَّعٌ لا جَواباً

قَد عَرَفنا لَهُ وَلا مُستَقَرّا

لَكَ في طَيِّهِ حَديثُ غَرامٍ

ظَلَّ في خاطِرِ المُلَحِّنِ سِرّا

قَد بَعَثنا تَحِيَّةً وَثَناءً

لَكَ يا أَرفَعَ الزَواخِرِ ذِكرا

وَغَشيناكَ ساعَةً تَنبُشُ الما

ضِيَ نَبشاً وَتَقتُلُ الأَمسَ فِكرا

وَفَتَحنا القَديمَ فيكَ كِتاباً

وَقَرَأنا الكِتابَ سَطراً فَسَطرا

وَنَشَرنا مِن طَيِّهِنَّ اللَيالي

فَلَمَحنا مِنَ الحَضارَةِ فَجرا

وَرَأَينا مِصراً تُعَلِّمُ يونا

نَ وَيونانَ تَقبِسُ العِلمَ مِصرا

تِلكَ تَأتيكَ بِالبَيانِ نَبِيّاً

عَبقَرِيّاً وَتِلكَ بِالفَنِّ سِحرا

وَرَأَينا المَنارَ في مَطلَعِ النَج

مِ عَلى بَرقِهِ المُلَمَّحِ يُسرى

شاطِئٌ مِثلُ رُقعَةِ الخُلدِ حُسناً

وَأَديمِ الشَبابِ طيباً وَبِشرا

جَرَّ فَيروزَجاً عَلى فِضَّةِ الما

ءِ وَجَرَّ الأَصيلُ وَالصُبحُ تِبرا

كُلَّما جِئتَهُ تَهَلَّلَ بِشراً

مِن جَميعِ الجِهاتِ وَاِفتَرَّ ثَغرا

اِنثَنى مَوجَةً وَأَقبَلَ يُرخي

كِلَّةً تارَةً وَيَرفَعُ سِترا

شَبَّ وَاِنحَطَّ مِثلَ أَسرابِ طَيرٍ

ماضِياتٍ تَلُفُّ بِالسَهلِ وَعرا

هذا هو شوقي المرنّم العبقري الذي يكتب الشعر بنفس السهولة التي ينثر الناثر مقاله، والذي لم يتفوق عليه في نظم الشعر أحد، لا في القديم ولا في الحديث. لقد أحصى الباحثون شعره فوجدوه أكثر من ثلاثين ألف بيت، وهذا رقم لم يصل إليه شاعر عربي آخر.. وقد رأينا كيف أن المعاني، والصور، والأخيلة، والأوزان، والقوافي، تقفز إلى خاطره على الفور عندما يتصدى لكتابة الشعر، ولكتابة الشعر الخالد الباقي على الخصوص.