بقلم - طه خليفة:

ما بين العقل في البلدان العربية الذي يُراد استلابه، والعقل في البلدان الأخرى الذي يسعى جاهداً للفكاك من أسْرِ هذا الاستلاب، فإن المسافة تتسع، والنتيجة مؤلمة.

بناء الإنسان والعمران، أي البناء الحضاري، لا يكون إلا عبر عقل نشط مفكر نقدي، وليس عقلاً خاملاً مستسلماً مُدَجّناً مؤمناً بالخرافات، وبما يتم حشوه من خرافات أخرى مصدرها سلطويات حاكمة عبر مؤسساتها وأذرعها وروافعها.

العقل العربي النشط بخير، لكن لا يُراد له أن يقوم بدوره كاملاً في توسيع دائرة الوعي ومساحة التفكير الحر الخلاق، فتلجأ الأنظمة إلى تشغيل ماكينات التدجين السياسية والإعلامية والفكرية والدينية والثقافية لقطع الطريق على التلاحم بين الجزء المتحرك والجزء الخامل في العقل الجمعي حتى يظل مَن يُفكر معزولاً عن التأثير والوصول لمنافذ ومنابر التوعية للآخرين.

الربيع العربي كان من فِعل العقل الذي ينظر باتساع حوله في تجارب العالم وسرّ نهوض الأمم، وقد أخذ خطوة جبارة في مسار خلخلة منظومة التفكير الراكدة المستسلمة لواقع بائس هدفه أن يبقى دون حراك حتى تظل المنظومة السلطوية التقليدية كما هي بلا تغيير أو إصلاح بأي وسيلة ممكنة، وإذا كان الربيع قد انتكس، لكنه لم يُهزم ولم يستسلم بعد، ومن أهم نتائجه إثباته أن الاستلاب الكامل للعقل وللفئات الشابة في المجتمعات لم يَعُد ممكناً.

أوروبا وهي قلب الحضارة الغربية الحديثة نهضت من رقدتها عندما فَرض العقل النقدي نفسَه، عندما تحرّرَ من قيود غليظة كانت تمنع خروجَه من أسْرِ الخضوع للتفكير النمطي التقليدي والمسَلّمات غير العلمية والمنطقية والطبيعية، هناك تاريخ طويل من السجن والتشريد والحرق للعلماء والمفكرين والمثقفين والمبدعين وكل أصحاب الدعوات الإصلاحية التحررية، أوروبا انطلقت لأنها شهدت إصلاحات شاملة آمن الجميع بها من منظومات حكم تقليدية إلى نخب ومؤسسات ومجتمعات، أقرّوا بضرورات التغيير الجذري، وإذا كانت المسافة الحضارية التي تفصلنا عنها كبيرة، لكن يمكن اختزالها إذا ما توفرت الإرادة للوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.

هناك تطور في مناطق جغرافية كانت تضم مجتمعات لم نكن نتصور أن لديها قابلية للإصلاح، لكن نكتشف أن شيئاً مختلفاً يحدث فيها، أن تقدماً ملموساً يظهر، أن عقلاً متحركاً لم يرض بالجمود، إنما يتجه للتغيير.

أذهب إلى نموذج حي يتمثل في بلدين أقل من بلدان عربية عديدة في القدرات لنُلقِي نظرة على العقل الناضج الذي يؤسس لواقع مختلف يُخرِجُهما إلى فضاء العالم الجديد، الأولى كينيا في شرق أفريقيا، والثانية كولومبيا في شمال غرب أمريكا اللاتينية.

كينيا التي تعيش وضعاً اقتصادياً ليس جيداً بدأت تتلمس طريقها عبر الديمقراطية والحرية السياسية، وهي البوابة الطبيعية للخروج من الأزمات، هذا البلد يشهد حالة حراك كما بدت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتنافس القوي فيها بين الرئيس المترشح أهورو كينياتا وبين زعيم المعارضة رائيلا أودينجا، وكولومبيا ليست في حالة ازدهار اقتصادي أيضاً، لكنها تنطلق سياسياً عبر الديمقراطية، والتصالح الوطني والمجتمعي.

نتائج انتخابات كينيا رافقتها مخاوف أمنية - بعد إعلان فوز الرئيس وهزيمة زعيم المعارضة - من عودة شبح مجازر انتخابات 2007 الكارثية، وكاد العنف يتكرر في 2017 لولا أن المجتمع السياسي يسير على طريق النضوج، ولا يُريد السقوط في مستنقع الدماء، وكان الاحتكامُ لمؤسسة القضاء التي قررت إعادة الانتخابات، هذا القرار وُصف بأنه تاريخي، وهو كذلك، لأنه الأول من نوعه في أفريقيا، وأحد القرارات النادرة عالمياً، هنا كان الاحتكام للعقل للخروج من الأزمة، أما الاحتكام لخيارات أخرى فهو الدمار الشامل للدولة والشعب.

الاحتكام للسلاح، والإصرار على فرض الإرادة بالقوة، ورفض أي دور للشريك في الوطن يُفجّر شلالات الدماء في أقطار عربية، ويُعيدها إلى القرون الوسطى، وهي تجارب مأساوية في زمن عربي لا يريد تغليب لغة العقل على طلقات الرصاص.

وفي كولومبيا كان الاحتكام للعقل بعد 52 عاماً من الاقتتال الأهلي، العقل أنجز في زمن قياسي ما لم تنجزه البندقية في نصف قرن حيث جرت المصالحة الوطنية بين الدولة وبين أكبر وأخطر الجماعات المسلحة المتمردة، وهي القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك»، وفي اليوم نفسه الذي صدر فيه القرار التاريخي في كينيا كان هناك قرار تاريخي آخر في كولومبيا حيث أعلن المتمردون السابقون عن تأسيس أول حزب سياسي مدني للعمل السلمي العلني، ونبذ العنف نهائياً.

هذان بلدان من عالم الجنوب يضعان نفسيهما على السكة الصحيحة مع العديد من بلدان العالم الأخرى، سكة العقل المفكر الإيجابي.

متى تُرفع القيود كاملة عن العقل العربي لتسير هذه الأمة على السكة الصحيحة من الحداثة والديمقراطية والتنمية والإيجابية؟.

 

كاتب وصحفي مصري