بقلم - أ.د. عمر بن قينه:

أُنجز ما شئت من أعمال إيجابية في شعوب الكسل وأنظمة الإهمال: فلن ترى لجهدك أثرا، لا ماديا ولا معنويا، مهما كان الجهد وطبيعته بين الناس، لا لقلة كفاءة ولقصور لديك وضعف أداء أو قلة إخلاص، بل لطبيعة الأعمال الإيجابية التي تلاقي العنت: نبتا ونموّا وإثمارا، تحوطها الرُّدُم والأشواك فالحرائق، في محيط تَنتشر فيه الطحالب في البرك الآسنة والجداول العكرة؛ والسماوات المكفهرّة؛ حيث تتنمّر القطط وتستأسد الثعالب، كما يعلو نقيق الضفادع ونباح الكلاب، وأصوات الببّغاوات التي لا ترى معظمها، لكنك تدرك يوميا آثار أفعالها في المجتمعات! فتفقد الأشياء قيمتها.

أيّة قيمة لحياة فقدت روحها الإنسانية: طهرا في العلاقات، كفاءة وحبا وإخلاصا وتعاونا وتواددا بين الناس، من دون شحناء ولا تنافس رخيص على المناصب والمآرب، وحيازة المال الحرام، عبر مواقع المسؤوليات خصوصا (السامية) التي جعلوها(سامّة) فتّاكة في المجتمعات، تنال تداعياتها الأمة بأشكالها السلبية المختلفة: انتهازية ونهبا وإيثارا لذوي علاقات مختلفة، بين ناهب بالمنصب ومستفيد من موقعه فيه وعلاقته به، عبر شبكة مصالح شديدة التعقيد عسيرة الفهم على أمثالي، حتى الاستحالة، في تفكيك العقد وفرزها!

أليس ذلك المزوّر الغشّاش المحترف نموذجا متحرّكا، تداوله (الإعلام) الجزائري فالعالمي مهرّب (7 قناطير كوكايين) من (البرازيل) إلى (الجزائر) تحت غطاء تجارة باللحوم، احتفظ (الإعلام) بدل اسمه بصفته بالفرنسية (Boucher) أي (جزاّر) التي احتال بها، أي بائع لحوم (يستوردها) من(البرازيل) - بدل السودان الذين رفضوا عروضه لخططهم - إلى (الجزائر) كغطاء لتهريب السموم؛ فزعم للجزائرييّن: أنها لحوم حلال؛ يتم ذبح (الأبقار) بالطريقة الإسلامية، وللتضليل تغطية على جرائمه: اشترى ذمم (إعلاميين) زعم أنهم ذهبوا معه إلى (البرزيل) ليشهدوا له بعملية الذبح، و(يشهدوا منافع لهم) بالدولار على أشلاء الضمائر، إن كانت لهم (ضمائر)! هذا فضلا عن دعم (سياسيين) يخونون الأمانة وقضاة ذبحوا ضمائرهم، ضمن أخطبوط في أجهزة إجرام؛ يعجز عن فك خيوط ألغازها الشياطين، لأن محترفي الإجرام فاقت أفعالهم أفعال الشياطين!

بدأت هذه النماذج الشيطانية تتناسل لدينا في الجزائر منذ أول يوم من (استقلال) تعرّض للاعتداء! فمضت أعدادهم تكبر ومخاطرهم تعظم؛ فيمحو فعل الأشرار النصابين فعل الأخيار الأولين، حتى اندثر عمل المخلصين الجادين الأطهار: في سياسة واقتصاد وثقافة وحياة وطنية عامة! اللهم لك أمرنا أنت وليّنا وبك خلاصنا!

ذلك الشخص مجرد خلاصة عامة لفساد يستشري، حتّى تعقّد علاجه بفعل شياطينه، وما هو إلا الصورة التي ظهرت في الواجهة، كشجرة دون (الغابة) التي تعجّ بأفاعي الفساد وثعابينه وثعالبه وكلابه المتوحّشة التي أفقدتها الأطماع كل إحساس إنساني يردعها، دون النيل من وطن وأمة، اغتصبوا مواقعهم فيهما للنيل منهما: قيما وأخلاقا؛ فشوّهوا الحياة نفسها، حتى جعلوها تفقد مذاقها؛ فتزهّد في العيش وتغري بالحياة الآخرة؛ فصرنا نتوق إلى لقاء الله، نأيا عن لقاء بعض عباده في الحياة الدنيا، حرصا على الخلاص من وجوههم وواقع مزر من صنع أراذلهم الذين باتت صورة هذا الشخص إحدى (رموزهم) في الواجهة!

كيف لا يزهد في بلده شباب علم وتقوى وعمل؟ شباب جادّ توّاق إلى الخير! هذا الشباب (ثروة الجزائر) التي حسدنا عليها يوما الرئيس الفرنسي صراحة (فرانسو ميتران) الذي يعاني شعبه (الهرَم) زاهدا في (الإنجاب). هذه الثروة المهدورة: كفاءة، أخلاقا وعلما وإخلاصا هجّرها (صانعو البوشي) من وطنها، فباتت طاقة فعّالة في مختلف (القارات) وفي المقدمة (فرنسا) بأهم المواقع، في المصانع والمخابر والجامعات الكبرى وفي المستشفيات الدولية، فصاروا الثروة البشرية التي تنهض بها (فرنسا) مثل (أميركا) و(ألمانيا و(كندا) تاركين الجزائر في قبضة آخرين ومتعهديهم والحامين لهم! هؤلاء بكّروا بأفعالهم الإجرامية منذ مرحلة الثورة (1954-1962) بتهميش الكفاءات، حتى تصفية المثقفين في صفوف الثورة!

تستعرض كئيبا منهارا الصور عن الطموح القومي الذي كان والانكسار الذي صار؛ فترغب عن الحياة، عن الناس، تزهد في العيش، فتتوق شوقا وحنينا إلى لقاء الله؛ هربا من رؤية بعض عباده! أكرّرها!

قال أحدهم لثان: سلبك الله البصر فعوّضك خيرا منه، فما هو؟ فقال:»ألا أراك ولا يقع بصري عليك»! وقال (العباس بن الأحنف):

يبكي الرجال على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل!

فاللّهمّ اقبضنا إليك مؤمنين أطهارا؛ غير مبدّلين ولا مقصّرين ولا متآمرين، وخلّص اللّهمّ أمتنا من سائر المجرمين والظالمين المعتدين!

 

كاتب جزائري

E-Mail: beng.33@hotmail.com