بقلم - جهاد فاضل:

ثمة أوجه شبه بين احتلال الرجل الأبيض المسيحي للقارة الأمريكية وقضائه على هنودها الحمر، وبين احتلال اليهودي الأوروبي لفلسطين وقضائه على شعبها الأصلي.

في الاحتلال الأول جرت إبادة أكثر من مئة مليون إنسان كانوا يعيشون في العالم الجديد في زمن كولومبس منهم ما لا يقلّ عن 18 مليوناً كانوا يعيشون في المنطقة التي تسمّى اليوم «الولايات المتحدة». وفي الوقت الراهن لم يبق من الهنود الحمر في الولايات المتحدة سوى جماعات متفرقة تعيش في جيوب منعزلة تخرج إلى الضوء بين وقت وآخر تبكي على أطلال ماضيها الذي قضى عليه البيض وتطالب بحقوقها في وطنها الأصلي ولا تظفر منهم إلا بتمثيلها في احتفالات الدولة ذات الطابع البروتوكولي.

قضى الرجل الأبيض على الهنود الحمر بلا شفقة ولا رحمة مستخدماً أسلوب الإبادة الذي استخدمته النازية بوجه اليهود، وهو أسلوب انتفع به اليهود لاحقاً عندما أبادوا 500 قرية فلسطينية مع سكانها إذا وجدوا فيها عند الاحتلال، وبدونهم إذا كانوا قد تمكّنوا من مغادرتها قبل وصول الميليشيات اليهودية. ولعل الفرق الجوهري بين إبادة الرجل الأبيض للهنود الحمر وبين إبادة اليهود لسكان فلسطين، وهم بدورهم هنود حمر جدد، هو أن الإبادة الأولى تمّت بأسرع وقت ممكن، في حين أن الإبادة الثانية في فلسطين تمّت على مراحل وبأساليب «ديموقراطية» في الظاهر. فقد سمح اليهود للفلسطينيين لاحقاً بإنشاء حكومة ولو تحت سيطرتهم ومراقبتهم، ولكن الأرض كانت تزلزل تحت أقدام الفلسطينيين وتفقد عروبتها. وفي الوقت الراهن، وبعد إقرار الكنيست لقانون القومية اليهودية، أصبح الوجود الفلسطيني على كامل التراب الوطني لبلدهم، معرّضا للخطر إن لم يكن للزوال. ذلك أن بإمكان إسرائيل في أي وقت اصطناع ما تشاء من الظروف والتدابير لجعلهم مضطرين لمغادرة أرضهم نحو أي أرض تستقبلهم. والمعروف أن عدد فلسطينيي الشتات لا يقل عن سبعة ملايين، وهو عدد فلسطينيي فلسطين التاريخية في الوقت الراهن.

والمعروف أيضاً أن إسرائيل لم تكفّ يوماً عن القول إن وطن الفلسطينيين يقع لا في الضفة الغربية، بل في الضفة الشرقية لنهر الأردن، أي في المملكة الأردنية الهاشمية التي يتكوّن شعبها في أكثريته الساحقة من لاجئين أو نازحين نزحوا بعد نكبة عام 1948 من فلسطين.

ويزيد في قسوة التاريخ ومراراته انعدام أي أفق أو أمل أمام هذا الشعب الذي تخلّى عنه العالم قاطبة بما فيه العالم العربي. في الماضي كانت هناك جهة دولية تُدعى الاتحاد السوفياتي كانت كثيراً ما تقدم عوناً للشعوب المقهورة الطامحة للتحرر الوطني.

ولكن هذه الجهة زالت من الوجود. وتزول من الوجود الآن جهات دولية أخرى كانت تتحدث عن حق تقرير المصير، أو عن حل الدولتين، فإذا بالنفوذ الإسرائيلي الفائق الحدّ الآن، يصيبها بالعيّ والشلل. ويزيد في انهيار القضية الفلسطينية، انهيار وحدتهم، وانقسامهم على بعضهم، وفشل كل المساعي التي سعت إلى رأب الصدع فيما بينهم. وزاد في الطين بلة تحوّل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية محض، من نوع قضية الروهنجيا. فالمساعي الدولية تحصر جهودها الآن بالضغط على الولايات المتحدة كي لا تقطع معونتها المالية عن منظمة الأونروا التي تقدم مساعدات لسكان المخيمات الذين يُقَّدر عددهم بربع عدد الفلسطينيين. في حين تضغط الولايات المتحدة عندما تقطع هذه المعونة، على الفلسطينيين كي يقبلوا بما يسمّى «صفقة القرن»، وهي تعني عمليا تصفية كل الأحلام الوطنية في دولة فلسطينية ذات سيادة تكون عاصمتها القدس الشرقية. وكل هذا يعني أن الفلسطينيين هم الآن في أسوأ وضع وصلت إليه قضيتهم. ولا شك أن هذا الوضع مرشح مستقبلاً للمزيد من السوء إن لم يُواجهه منهم بتدابير ذات طابع جماعي تحول دون تدفق قوافل جديدة من النازحين إلى خارج فلسطين.

ولعل أيسر هذه التدابير، وأصعبها في واقع الأمر، يتمثل في التعالي على المصالح الفئوية والحزبية والدخول في عملية اندماج كامل بين شتى المكونات السياسية للشعب. فإذا فشلنا في تحقيق هذا الهدف الذي لا يعلو عليه هدف آخر، فإن إسرائيل لابد أن تلجأ، في وقت قريب أو بعيد، إلى إعمال قانون القومية اليهودية الذي ينصّ صراحةً على أن كل شيء في إسرائيل، بما فيه الأرض، هو ملك الشعب اليهودي وحده. ولا شك أن وحدة الفلسطينيين كفيلة بإجهاض كل المخططات الإسرائيلية، ولكن بدونها كل التدابير الإسرائيلية ممكنة.

 

كاتب لبناني