أوسلو - وكالات: بدأ التفكير في تخزين بذور النباتات وحفظها لحين الحاجة في نهاية القرن التاسع عشر مع تقدم علم النبات، واشتهر عالم الوراثة الروسي نيكولاي فافيلوف بجهده في جمع بذور نباتات من حول العالم وتخزينها في أول "بنك بذور" في مدينة ليننجراد عندما تعرضت المدينة لحصار في الحرب العالمية الثانية دام 28 شهرا، لكن العلماء ماتوا جوعا ولم يأكلوا تلك الحبوب ليتفادوا الموت، وسمي بعد ذلك "معهد فافيلوف للصناعة النباتية" تخليدا لذكرى العالم الذي توفي في 1943، وكانت جهود عالم النبات الروسي أساس الأبحاث لحفظ أنواع النباتات حتى إذا تعرض العالم لكارثة طبيعية أو حرب نووية فيمكن لمن يتبقى إعادة شكل الحياة على الأرض.

هناك الآن عدة بنوك للبذور، حيث تحفظ بذور النباتات من أماكن مختلفة خشية تعرض تلك الأنواع من النباتات للاندثار، فيوجد المركز الوطني للحفاظ على الموارد الوراثية في فورت كولينز بكولورادو بالولايات المتحدة، وبنك النبات الأسترالي وغيرها من بنوك البذور الأخرى، لكن أكبرها وأشهرها هو "خزانة البذور العالمية" في سفالبارد بالنرويج التي تضم بذور مئات الآلاف من أنواع النباتات وهي ملك لمن يودعها ويستطيع استرجاعها حين الحاجة.

ويقع قبو سفالبارد في جزيرة سبيتسبيرجين النرويجية على تخوم بلدة ونجيرباين في أرخبيل على بعد 1300 كيلومتر من القطب الشمالي، وفي هذا المكان يتم وضع بنك البذور العالمي المذهل على مسافة 150 مترا داخل جبل جليدي معتمدا على نظام أمني في منتهى القوة والدقة، واعتبر موقع هذا المخزن العملاق مثاليا للغاية نظرا لعدم وجود نشاط بناء في المنطقة وتميزه بالجليد على مدار السنة، ما يساعد تلقائيا في عملية تخزين عينات البذور، ووضع المكان على ارتفاع 130 مترا فوق سطح البحر يجعله جافا حتى ولو ذابت قمم الجبال الجليدية التي تحفه، كما أن كميات الفحم الحجري المحلي تزود وحدات التجميد بالطاقة لضخ المزيد من البرودة للبذور المخزنة حيث تبلغ الحرارة في هذا الوسط 18 درجة تحت الصفر.

وتم افتتاح القبو رسميا في 26 فبراير 2008، ويعتقد أن فيه حوالي 1.5 مليون عينة بذور منفصلة من المحاصيل الزراعية، ويتم تعليب البذور في هذا البنك في حزم رباعية الثني، بعد أن تمتص الحرارة منها حفاظا عليها من الرطوبة، وتحفظ البذور على رفوف معدنية داخل القبو، بعد أن توضع في مغلفات تطوى من أربع جهات، ثم توضع داخل حاويات أكياس الألمنيوم، لتبقى في درجة حرارة دون 18 تحت الصفر، فالحرارة المتدنية ومحدودة الأوكسجين تحافظ على نضارة البذور وجدواها.

وقد مولت الحكومة النرويجية بالكامل تقريبا إنشاء هذا القبو بمبلع 9 ملايين دولار وخزنت داخله البذور مجانا، بينما تدفع الحكومة النرويجية واتحاد تنوع المحاصيل العالمي تكاليف التشغيل، فلا يوجد في القبو كادر وظيفي دائم، بل يفتح أبوابه لاستقبال إيداعات البذور أو الزوار الذين متى حلوا بالمكان يلاحظون أن البوابة الخارجية هي الشيء الوحيد الظاهر من القبو، ويشار إلى أن إنشاء هذا القبو جاء بناء على دراسة جدوى توصلت إلى أن هذا المكان يمكن أن يحافظ لمئات السنين على بذور محاصيل زراعية عبر العالم منها تلك العائدة للحبوب المهمة.