طـــه خـلـيفـة

#الكرامة_لا_تقدر_بثمن،» حملة عالميّة لجمع التبرّعات لحماية حقوق وكرامة الملايين من لاجئي فلسطين الذين يستحقون تضامننا معهم أكثر من أي وقت مضى، قوموا بدوركم، انضموا الآن».

بهذا «الهشتاج»، وبالكلمات المُحترمة الشارحة لمضمونه، بدأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين حملة عالميّة لجمع التبرعات لتعويض النقص في ميزانيتها الناتج عن إيقاف الإدارة الأمريكيّة برئاسة ترامب تمويلها السنوي للوكالة، إيقافاً تاماً الآن، بعد أن كانت خفضت مبلغ التبرّع.

هذه الوكالة «أونروا» واحدة من المُبادرات الإنسانيّة والاجتماعيّة المشكورة لمنظمة الأمم المتحدة، ربما بإنشائها كانت تُخفّف التداعيات الكارثية لقرارها بالموافقة على قيام دولة إسرائيل، ومنح هذا الكيان الاستيطاني الشرعيّة الدوليّة، واللاجئون المُستهدفون بالنشاط الإغاثي والخدمي والتشغيلي والاجتماعي للوكالة هم ضحايا الدولة النبتة غير الشرعيّة في غير أرضها، هذا الكيان الاستعماري الجديد هو البديل للاستعمار القديم في بلاد العرب الذي كان قد بلغ نهايته وفقد دوره بعد أن أرهق الدول التي احتلها واستنزف خيراتها التي ساهمت في تأسيس بلدانه وتشييد حضارته.

إدارة ترامب ليست شعبويّة عنصريّة انعزاليّة فقط، وليست مُنعدمة السياسة والدبلوماسيّة فقط، وليست غير كفوءة لإدارة الدولة العظمى فقط، وليست جديرة بحكم هذه الدولة المفترض أنها قائدة للعالم فقط، إنما هي أيضاً مُنعدمة الأخلاق، وفاقدة للقيم والمعايير الإنسانيّة الراقية، ولو القليل من هذه القيم التي كانت إدارات سابقة تسعى للتستّر بها، أمريكا بكل إداراتها برجماتيّة مصلحيّة نفعيّة مثل أي شركة رأسماليّة استغلاليّة، لكن الإدارة الحاليّة فاقت سابقاتها في الابتزاز والانتهازيّة والاستعلائيّة مع العرب، والعدوانيّة الشرسة تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته، إدارة ترى الحقوق الفلسطينيّة بالعيون الإسرائيليّة الغارقة في الصهيونيّة الإجراميّة، وهي عيون حكومة نتنياهو الأكثر يمينيّة وتطرّفاً في عمر هذا الكيان التي لا ترى وجود فلسطينيين من الأصل، ولا تعترف بأي حقوق لهم، عيون واشنطن لا ترى في المنطقة إلا إسرائيل فقط، ودعك من كون أن لها أصدقاء وحلفاء من العرب، فهم كذلك طالما يدفعون ويرضخون للشروط والمطالب والسياسات في تبعيّة مُهينة لهم وللعروبة وللقوميّة العربيّة وللكرامة وللتاريخ العربي إذا كان بقي من هذا التاريخ والمعاني والشعارات شيء.

جاءت هذه الإدارة بشعار بارز وهو أمريكا أولاً، وشعارها الآخر الرديف هو إسرائيل أولاً كذلك، قراراتها في الشرق الأوسط لصالح الكيان الاستعماري، وهو ما لم يتم من قبل بكل هذه الصفاقة وسط حالة من القصور والعجز والتسليم العربي المُشين في طرف، وفي الطرف الآخر تبرز حالة عربيّة جديدة من استعذاب الإهانة والرضا بها أمام إدارة هي الأسوأ فيما تعي الذاكرة في أمريكا.

قيادة العالم ليست بحاجة للقوة الأسطوريّة، والاقتصاد الضخم، والحضارة المتقدّمة فقط، إنما بحاجة أيضاً وأساسياً إلى سياج من القيم والأخلاقيّات والتشبّث بمعاني الحق والعدل والإنسانيّة والنبل لتحصين هذه القوة من الشطط، وإلا فإن القوة غير المُحصنة بالأخلاقيّات مصيرها إلى زوال حتمي، وهذا حدث مع كل الإمبراطوريات على مرّ التاريخ إذ عندما تفقد قيمها تبدأ الهبوط التدريجي ثم الأفول.

أمريكا تُوصف بأنها الأكثر سخاءً في التبرّع للأونروا بما يقرب من 400 مليون دولار، وقد قطعت هذا المال الآن في سياق ترتيبات تصفية القضية الفلسطينيّة وفق خطط إسرائيل والصهاينة في إدارة ترامب، وهذه التصفية يسمونها «صفقة القرن»، والأدق «عار القرن»، وبدأتها بنقل السفارة إلى القدس المحتلّة، واليوم ضرب الأونروا مالياً لشطب قضية اللاجئين.

ماذا يعني هذا المبلغ بالنسبة لدولة عظمى؟، لا شيء، وللعلم فإن قطعه لن يعرّض الأونروا للزوال، فهي نشأت قبل 70 عاماً وستظلّ باقية ما بقي اللاجئون رافعين مفاتيحهم، حق يأبى النسيان، وقضية لن تموت أبداً، وصفقات الاستسلام المُخزي لن تمرّ، ولو تراجع مستوى الخدمات فلن يموت اللاجئون، المُتمسكون بحقوقهم المشروعة لا يسقطون أبداً، هذه حكمة التاريخ، والنضال الفلسطيني لا مثيل له، لكن الذي سيموت هي قيم الديمقراطية والحريّات والحقوق والعدالة التي ترفعها أمريكا ضمن شعاراتها لقيادة العالم الحر، شعارات يقتلها ترامب داعم كيان الاحتلال، وداعم الاستبداد الراضخ له والذي يستعذب هوسه وهلاوسه.

العالم الذي لا يزال لديه بعض الضمير لن يفرّط في الأونروا، هناك عقلاء في الغرب يعملون على ضرورة إنقاذ الوكالة، وتعويض ما كانت تدفعه واشنطن الانعزاليّة الانسحابيّة التي تفقد دورها القيادي في العالم وتصير مكروهة أكثر من قبل، لا صديق حميماً لها سوى إسرائيل وأذناب هنا وهناك.

هل لنا كعرب أن ندرك أنه إذا كان لترامب حسنة واحدة فهي أنه يكشف أمامنا أمريكا عارية دون ورقة التوت؟، أمريكا التي نسلمها أوراقنا ومقدراتنا كاملة ثم نقف على أعتابها نلتمس العون والرضا منها، ترامب يُعرينا نحن أيضاً أمام أنفسنا ويكشف لنا تبعيتنا وانسحاقنا، لا ندري كيف وصلت «أنظمة» لهذه المرحلة من التهاوي والانسحاق؟.

ماذا يُمثل تبرّع أمريكا أمام ثروات عربيّة هائلة يُنفق جزء منها في تسلّح ضخم للاحتراب العربي والعداوات البينيّة، وليس لمواجهة عدو حقيقي مُجرم بحق العرب، وتُنفق أجزاء أخرى في منافذ ومجالات تثير الألم على ثروات تتبدّد دون استفادة كاملة وحقيقيّة للشعوب منها؟، ماذا يمثل هذا التبرّع لو وزعته الحكومات العربيّة على نفسها وتتحمّل كل واحدة منها نصيبها إضافة إلى ما تتبرّع به وحسب قدرتها؟.

نعم، «الكرامة لا تقدّر بثمن»، فمتى نفيق نحن العرب، ونغير على كرامتنا المهدورة بأيادينا، وأيضاً بأيادي ثلة من الأشرار الذين يحتلون أرضنا وهم مدعومون من عنصريين وراء المُحيط يشاركون في هدر الكرامة العربيّة العزيزة؟.

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com