• لدينا أدلة دامغة لإدانة الأسد كمجرم حرب
  • الأمم المتحدة فشلت في السعي لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا
  • أدلة على استخدام الأسلحة الكيماوية 30 مرة خلال الحرب في سوريا

برلين - الراية:

أكّدت السويسرية كارلا ديل بونتي المدعي العام السابق في محكمة الجزاء الدولية في لاهاي بدولة هولندا أنّ الممارسات البربرية البشعة خلال الحرب في سوريا تعتبر وصمة عار للعالم، مشيرة إلى أن المجتمع الدولي جبان ويلتزم الصمت حيال الانتهاكات المروعة. وقالت في حوار مع مجلة " فوكوس" الألمانية إنه توفرت لدينا أدلة دامغة كثيرة لإدانة بشار الأسد كمجرم حرب، لكنْ هناك تقاعس من الأمم المتحدة عن اتخاذ إجراءات رادعة لمُحاسبة هذا الديكتاتور على جرائمه ضد شعبه، وعبّرت عن أملها بأن تراه وراء القضبان يوماً ما. وذكرت أنها سعت طوال ستة أعوام على رأس مهمة للتحقيق وجمع الأدلّة، ثم شعرت في النهاية أن الأمم المتحدة والدول المنضمة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، لا تكترث بهذا الموضوع

وتالياً التفاصيل:

  • قمتم بتكليف من هيئة الأمم المتحدة بالتحقيق لمدة ستة أعوام في انتهاكات حقوق الإنسان في الحرب الأهلية في سوريا، ثم أعلنتم استقالتكم من هذه المهمة تعبيراً عن احتجاجكم. لماذا فعلتم ذلك؟

- لأنني لم أعد قادرة وحرة في ممارسة مهمتي بالشكل المعقول. مثلاً لم يكن بإمكاني ممارسة التحقيق، ومن أبرز الأسباب، أن السياسة كانت تضع العراقيل أمامنا. وكوني قمت بهذه المهمة ستة أعوام، فإن ذلك يعبّر عن مدى صبري على السلوك غير المبرّر للسياسة تجاه الحرب الأهلية في سوريا، وكان أملي كبيراً في أن يوافق مجلس الأمن الدولي في أحد الأيام على إنشاء محكمة للنظر بجرائم الحرب في سوريا.

  • أي على غرار محاكم جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون عندما كنتم تشغلون منصب المدعي العام في محكمة الجزاء الدولية؟

- بالتحديد، كان هذا هو هدفنا الأساسي استناداً لما اطلعنا عليه من معلومات وتقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان بشكل مروّع في سوريا؛ لأن الضحايا يستحقّون العدالة. لكننا فوجئنا بأن هناك من لا يرغب في نجاح مهمتنا ولا يَحدث شيء. وزرنا دول أوروبا كلها قبل التوجه إلى الأمم المتحدة في نيويورك وتحدثنا إلى عدد كبير من المسؤولين السياسيين، ورغم ذلك لم نتوصل إلى شيء. لقد تملكني الشعور مراراً أننا وصمة عار على ما يدور في سوريا، وأن المجتمع الدولي جبان يخشى إنشاء محكمة دولية للنظر بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، كما كنت أشعر أن هناك من يستغل مهمتنا التي كانت في نهاية المطاف رمزية ليس أكثر، لأننا لم نكن نحصل على دعم سياسي من أي طرف سياسي.

  • لماذا؟ ألا يقرّ المجتمع الدولي بوقوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في الحرب السورية؟

- لم نحصل على تفويض بالقيام بالتحقيق وإصدار مذكرات إيقاف ضد مجرمي الحرب، وكل ما حصلنا عليه كان إجراء مقابلات مع عدد من اللاجئين. مما لا شكّ أنه وقعت في سوريا انتهاكات لا توصف لحقوق الإنسان، من قتل وتعذيب حتى الأطفال، وجرائم بربرية بشعة لا يستطيع المرء التعبير عنها بالكلام. وفوجئنا أن المجتمع الدولي يلتزم الصمت حيالها. لقد شاهدت صور فيديو لبعضها، لن أنساها طالما أنا حية.

  • أفهم من شهادتك أن الأمم المتحدة لم تتخذ إجراءات للتصدي لمرتكبي هذه الجرائم؟

- صحيح. كنا نقدم تقاريرنا عاماً بعد عام وقوائم بأسماء مجرمي الحرب في سوريا، دون نتائج. وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف يتبلغ بنتائج تحقيقاتنا ولا يُحدث شيئاً. لا عجب أن جميع بلدان العالم ممثلة في مجلس حقوق الإنسان الدولي في جنيف ومنها سوريا. لكن هناك أكثر من سبعين دولة في العالم لا تحترم حقوق الإنسان. لذلك كانت هذه الدول تنتظر منا أن نفقد صبرنا ونصاب الإحباط ولم تكن تتعاون معنا أبداً. وفي هذه الأثناء أصبحت أسأل نفسي عن جدوى وجود الأمم المتحدة.

  • هل حصلتم على أدلة حول استخدام نظام الديكتاتور السوري بشار الأسد أسلحة كيماوية ضد المدنيين السوريين؟

- كنا قد بدأنا التحقيقات وجمع أول الأدلة، لكن المشكلة التي واجهتنا أوضحت أنه ليس قوات نظام بشار الأسد فقط استخدمت الأسلحة الكيماوية، وإنما المسلحون أيضاً. وقرر أمين عام الأمم المتحدة في تلك الفترة بان كي مون، تكليف جهة أخرى بالتحقيق، وبذلك تم سحب هذه المهمة منا. حتى اليوم هناك أدلة على استخدام الأسلحة الكيماوية 30 مرة بينها 20 مرة على الأقلّ، من قبل القوات الموالية لنظام بشار الأسد، والباقي من قبل جماعات متمردة مختلفة. جميع الأطراف في الحرب السورية ارتكبت جرائم حرب. ولم يعد بالوسع التمييز بين الطيب والشرير في هذه الحرب، فليس هناك طرف بريء.

  • ما هو تعليقكم على قيام ترامب بقصف مواقع للقوات السورية الموالية لبشار الأسد؟

- حصل ولكن ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. هذه سياسة رمزية ليس لها نتائج. بضع قنابل زيادة لا تغير شيئاً في الحرب الأهلية في سوريا. العالم يتفرج منذ ثمانية أعوام على القتل المفرط في سوريا، وللأسف فإن السياسة الدولية ليست مستعدة لتحمل المسؤولية والقيام بدور فعّال لإنهاء الحرب.

  • ماذا برأيكم ينبغي عمله؟

- ينبغي أن تقوم السياسة الدولية بإنشاء محكمة دولية مستقلة للتحقيق في جرائم الحرب في جميع أنحاء العالم.

  • ولكن هناك محكمة جرائم الحرب في لاهاي بهولندا؟

- صحيح، لكن الولايات المتحدة الأمريكية رفضتها ولا تعترف بها، وكذلك الدول التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي مثل روسيا والصين. أودّ أن أوضح أن معظم الحروب الدائرة اليوم عبارة عن حروب أهلية، كل طرف يحارب ضد الطرف الآخر ولم يعد أحد يحترم القوانين والمواثيق الدولية، حتى المستشفيات والمدارس لم تعد تسلم من أعمال القصف وبالتأكيد المدنيون أيضاً. لقد تم استهداف أفران في سوريا تم قصفها في الصباح الباكر حين كان الناس يسعون لشراء الخبز. كما تم ارتكاب جرائم قتل عشوائية. إن قانون العقاب لا يسري فقط على القادة العسكريين ولكن أيضاً على الجنود والمقاتلين، حيث حول كل واحد ممن اقترفوا هذه الأعمال إلى مجرم حرب.

  • - هل الحرب في سوريا أسوأ من الحرب في يوغسلافيا السابقة؟

- أسوأ بكثير، لأنه لا أحد يخشى التعرض للمحاسبة على جرائمه. وأخشى أن تستمر الحرب الأهلية بهذا الشكل المروع إذا ظل هذا الشعور قائماً بأنه ليس هناك من يحاسبكم على جرائمكم. ولهذا السبب نحن بحاجة ماسّة لتشكيل محكمة دولية للنظر في جرائم الحرب في كل العالم، لأن ذلك سوف يردع المجرمين في كل مكان.

  • أعلن المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا أخيراً أنه أصدر مذكرة إيقاف بحق جميل حسن، رئيس مخابرات سلاح الجو السوري، بسبب أمره استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، هل من شأن هذا الموقف أن يحرك الأمور تجاه النحو المنشود؟

- شيء جيد أن تهتم محاكم وطنية بما يدور في سوريا وتحاول التعويض عن فشل الأمم المتحدة في السعي لمحاسبة مجرمي الحرب وتحقيق العدالة. ولكن هذا ليس كافياً، حتى لو تم إلقاء القبض على بعض العسكريين، ففي نهاية المطاف يبقى هناك السؤال: من هي الدول التي ستكون مستعدة لمحاكمة بشار الأسد؟ هذا ما تستطيع الإجابة عنه فقط محكمة جزاء دولية.

  • هل هناك فرصة برأيكم لنهاية الحرب الأهلية في سوريا؟

- في هذه الأثناء نعم، لأن بشار الأسد على وشك حسم الحرب لصالحه بمساعدة روسيا. وستتوقف الحرب عندما يتمكن من القضاء على جميع معارضيه مما سيزيد من فرص التوصل إلى اتفاق.

  • وهل يستطيع المجتمع الدولي الجلوس مع بشار الأسد بعد كل ما حصل من تقتيل وتهجير في سوريا؟

- في الحقيقة هذا أمر مرير حقاً أن يضطر المرء للتفاوض مع مجرم حرب ولكن من يريد السلام عليه التفاوض مع الرؤساء. وهذا ما فعلناه مع الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش حتى توصلنا لاتفاق "دايتون" في عام 1995، ورغم ذلك تم إيقاف ميلوسوفيتش بعد فقدانه منصبه وتمت محاكمته في لاهاي. وأقول لكم، يوماً ما سيفقد بشار الأسد منصبه، وسيتم إيقافه على الفور. لا أريد أن أفقد أملي بأن أرى بشار الأسد يوماً ما ماثلاً أمام محكمة جرائم الحرب.

  • هل لديكم أدلة كافية لمحاسبته كمجرم حرب؟

- صدقوني، أكثر مما يتصوّره المرء، ما يكفي لزجّه وراء القضبان إلى الأبد، ولدينا أدلة دامغة.