بقلم - هارون يحيى:

مرّت تركيا خلال العامين الماضيين ببعض الفترات السياسية العصيبة على المستويين الداخلي والخارجي. فقد أدى انخراط تركيا في عملية «درع الفرات» في سوريا، والتطورات التي شهدها القتال ضد حزب العمّال الكردستاني PKK، بالإضافة إلى محاولة الانقلاب العسكري، وما أعقبها من فرض حالة الطوارئ، إلى تغيّرات مهمة في نظرة الناس إلى تركيا، من كلا الطرفين، الذين يعيشون داخل تركيا، وشعوب البلدان الأخرى. ففي الوقت الذي كانت تُحرز فيه تركيا تقدماً في علاقاتها مع روسيا، أدى دعم الولايات المتحدة الأمريكية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD لآثار سلبية نسبياً على العلاقات مع الولايات المتحدة، بينما أدت كل هذه التطورات إلى تأزم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

لا شك أن ذلك ليس السبب الوحيد لتأزم علاقة تركيا السياسية مع الاتحاد الأوروبي. فمع بروز عدد من قادة اليمين المتطرّف بشكل كبير في البرلمان الأوروبي خلال السنوات القليلة الماضية، ورفعهم بقوة من وتيرة مهاجمتهم للجاليات الأجنبية والمسلمة. يبدو أن انتشار الخطاب العنصري الذي يتبناه مناهضو الأجانب، قد أعاق الدور المؤثر للاتحاد الأوروبي منذ وقت طويل، والذي يفترض أن يكون شاملاً وجامعاً.

إن القرار الذي تم التوصل إليه بشأن تركيا من خلال تصويت الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي مؤخرا هو آخر نقطة وصلت إليها تركيا مع الاتحاد الأوروبي. فوفقاً لهذا القرار، سوف تُوضع تركيا - أحد الأعضاء المؤسّسين للمفوضية الأوروبية - تحت الرقابة الأوروبية.

أُعدت قائمة المراقبة المشار إليها، من أجل ترويض بلدان أوروبا الشرقية التي كانت تحت حكم الأحزاب السياسية الشيوعية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، على مستوى معيّن من الديمقراطية. ولم تكن تركيا في أي وقت من الأوقات تحت مظلة الحكم الشيوعي، ولكن بسبب أنها الدولة الإسلامية الواقعة على مشارف الشرق الأوسط، وُضعت على قائمة المراقبة المذكورة، ثم رُفعت منها بعد سلسلة من الإصلاحات التي نفذها حزب العدالة والتنمية AKP بعد توليه السلطة. وكانت إحدى أبرز هذه الإصلاحات، إلغاء عقوبة الإعدام. أما الآن، فقد أصبحت تركيا الدولة الوحيدة التي عادت إلى تلك القائمة، على الرغم من استبعادها منها في عام 2004.

لا تُعد الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي إحدى أجهزة الاتحاد الأوروبي، إلا أن القرار المُتخذ قد أكد طريقة نظر الاتحاد الأوروبي إلى تركيا خلال الفترة الأخيرة. ولا شك أن الاتحاد الأوروبي في موقع لا يسمح له بتقييم الأحداث في تركيا بشكل صحيح، ومن ثم الوصول إلى استنتاج عادل بناءً على ذلك. ولأن أوروبا وعلى عكس تركيا، لا تواجه قلاقل مثل التي يؤججها حزب العمّال الكردستاني، ولم تتعرّض لمحاولة انقلاب عسكري على يد جماعة داخلية منظمة، ولم تواجه حروباً قاسية على حدودها من قبل. يبدو أنه من الصعب على الاتحاد الأوروبي، الذي يقيّم البلدان التي تنضم إليه وفقاً لمعاييره الخاصة، أن يستطيع رؤية وتقييم المشاكل التركية بالشكل الصحيح.

ولكن من خلال التدقيق في هذا القرار، نجد أن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي أحادية الجانب، وزعماءه العنصريين، والكراهية المنبثقة عن الإسلاموفوبيا وكراهية الأجانب، أصبحت مسوغاً حقيقياً لإلقاء اللوم بشكل كبير على أوروبا. إلا أنه يجب تحويل هذا القرار إلى قرار إيجابي يصب في مصلحة تركيا بشتى الطرق. ولا يجب أن ننسى أن طلب تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي قُدّم منذ سنوات طويلة، كان خُطوة في سبيل الارتقاء إلى مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان في هذه الدول. وقد حققت تركيا بالفعل تقدماً هائلاً في مجال حقوق الإنسان.

تقوم أوروبا على نموذج راق، تحظى فيه المرأة بتقدير كبير، ولا تتعرّض فيه للاضطهاد. وتهتم بالعلم، والفن، والنظرة الجمالية، والكفاءة بشكل كبير. وتلك هي الجوانب التي تحتاجها البلدان الإسلامية في الوقت الراهن بشكل خاص وسريع. لأن بعض المجتمعات الإسلامية ظلت تحت تأثير الخرافات لفترات طويلة، وقد أعاقت هذه السلبية تقدّم تلك المجتمعات، ليس فقط على المستوى الاجتماعي الداخلي، بل أيضاً على الساحة السياسية، وحالت إلى حد كبير دون تشكل مجتمعات سعيدة ومُبدعة.

لم تكن أوروبا وحدها من أوصت باتباع النظام الديمقراطي، لأن النموذج الديمقراطي في الأساس نظام إسلامي. فديننا الذي لا يسمح بالإكراه، قدّم لنا الوصفة المثالية للديمقراطية. لذا، من المنطقي أنه لا بد أن تكون المجتمعات الديمقراطية الرئيسية هي المجتمعات الإسلامية. ومما لا شك فيه، أن تركيا قد سلكت طريق التحول الديمقراطي منذ وقت طويل، ويمكنها بالفعل تكليل هذا الطريق بالنجاح، من خلال تطوير نموذج ديمقراطي أفضل من النموذج الأوروبي.

 

كاتب تركي