بقلم / جهاد فاضل :

لم يكن محمود درويش شاعراً كبيراً وحسب، وإنما كان ناثراً كبيراً أيضاً.

والشعراء الكبار، بوجه عام، قلما يكونون ناثرين ذوي شأن، ولكن الشاعر الفلسطيني كتب نثره بنفس الكفاءة التي كتب بها شعره. ومن الطريف الإشارة إلى أن النثر الذي كتبه، كثيراً ما يأتي موقعاً كما يأتي الشعر عادة فالإيقاع صفة جوهرية في ذات خلقت للشعر، وفي الكتب النثرية الأربعة التي أصدرتها حديثاً (الأهلية) وهي دار نشر أردنية، وأعادت إلى الذاكرة محمود درويش الناثر، يعثر القارئ على تراث نثري في منتهى الأهمية، جدير بأن يأخذ مكانته إلى جانب شعر الشاعر، وتنبع أهمية هذا النثر في كونه موزعاً على فنون أدبية وفكرية مختلفة. ففيه سياسة وفكر حيناً، وفيه أدب ونقد وبحث حينا آخر.

يجمع هذا الكتاب مقالات مختارة لدرويش فن بين تراثه النثري المبعثر والمودع في جرائد ومجلات وكتب وقد أعطى الكتاب عنواناً لافتاً هو «عابرون في كلام عابر، وهو عنوان إحدى القصائد المشهورة للشاعر التي وصل نصّها إلى الإسرائيليين أنفسهم، فقامت قيامتهم على النص وعلى الشاعر في آن. ينشر الكتاب نص القصيدة، كما ينشر مقالاً لمحمود عن صداها عند الإسرائيليين.

ولهذه المقالات المختارة، من بين المقالات التي كتبها محمود في السنوات الأخيرة، ما يعطيها صفة شهادة الشاعر الفلسطيني على زمنه.

والشهادة منا، ليست مجرد تعليق على الزمن، بل هي أساساً، مصاحبة الزمن عبر التعدّد الذي به يكون، من أفق إلى آخر، إنها، تبعاً لذلك، كتابة مع الزمن لا عنه.

ومصاحبة الزمن بالكتابة، بالنسبة لمحمود درويش، لا تتأتى عن إملاء الجاهز، كما هي عادة الكلام المبتذل، ولكنها بالأحرى، تعلّم الأسئلة المنحفرة في العينيّ، حيث تتحول الواقعة إلى حالة منشبكة، مركّبها هو الأسبق في البناء، فلا تبسيط ولا اختزال، لا تنازل أو استسهال. مصاحبة لها قوة إرادة استيعاب زمن لا تردّد معه أمام ما يغري الخطابات بالجنوح إلى القناعة بصياغة ما يستعصي على الصياغة، أو نسيان ما يتطلب حضوراً فورياً وصدامياً في المعيش والأفكار والمواقف.

«عابرون في كلام عابر» عنوان قصيدة كُتب في سياق هذه المقالات، وهي تحتفظ هنا بمكانها فيما تشير مباشرة إلى حيويتها وحيوية سياقها في الزمن والكتابة معا. هذا العنوان / القصيدة، يهب الاختيار توثبا، وهو في آن يثبت ما تحتفل به الانتفاضة من مطلب لا سبيل إلى ترويضه، انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، تبرز القصيدة أن الإسرائيلي بحاجة إلى عدو، به يتعرف على نفسه، وبه يبرر ما يشاء في فلسطين وفي كل مكان، لذلك كانت «هيستريا القصيدة» تتجاوز حدود القصيدة، من الكنيست إلى أمريكا وأوروبا، إلى المحكمة في باريس، هستيريا ضد أن يكون الفلسطيني واضحاً تماماً، عندما ينتخب الحجر ليحرك مدار الأسئلة «من الحدود إلى الوجود» وعندما يصعد بالكتابة إلى أفق قول ما يجب أن يقال.

ونظراً لأهمية هذه القصيدة في تراث محمود درويش، وفي الكتاب الذي نعرض له، لأن صداها يتردد في مقالات أخرى تتناولها في الكتاب، فإننا سنقتطف بعضاً منها،

 

فهي تبدأ كما يلي:

أيها المارّون بين الكلمات العابرة

احملوا أسماءكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا

واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

وخذوا ما شئتم من صوَر، كي تُعرفوا

أنكم لن تُعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء..

أيها المارون بين الكلمات العابرة

منكم السيفُ - ومنا دمُنا

منكم الفولاذ والنارُ - ومنا لحمنا

منكم دبابة أخرى - ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز - ومنا المطرُ

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا

وتنتهي القصيدة على النحو التالي:

أيها المارون بين الكلمات العابرة

كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا

وأعيدوا مقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدّس

آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا

فلنا في أرضنا ما نعملُ

ولنا الماضي هنا

ولنا صوتُ الحياة الأولُ

ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبلُ

ولنا الدنيا هنا، والآخرة

فاخرجوا من أرضنا

من برّنا، من بحرنا،

من لحمنا، من علمنا، من جرحنا

من كل شيء، واخرجوا

من ذكريات الذاكرة

أيها المارّون بين الكلمات العابرة..

أحدثت القصيدة دوياَ هائلاً في كل مكان وبخاصة عند الإسرائيليين. وحولها يكتب محمود درويش مقالا يرد فيه: «لماذا يحتاج الإعلام الإسرائيلي إلى قصيدة مثل هذه القصيدة ليختبر فيها براعته في القدرة على التزييف وعلى نفي إنسانية الآخر؟

لماذا لا يرى من البحر وهو برية رحيلنا المائية، إلا مقبرة اليهود؟ فمن هو الذي رمى الآخر في البحر وفي الصحراء؟ من هو القرصان؟

«وهكذا حاورني صحافي إسرائيلي:

> هل قلتَ لنا: اخرجوا من جرحنا؟

- قلت ذلك

> لماذا؟

- لأن جرحي هو ملكيتي الشخصية، هو جزء من هويتي فهل لك حق فيه؟

> لا. ولكن هل قلتَ لنا: اخرجوا من قمحنا؟

- نعم قلت ذلك، لأن قمحي هو رغيفي النظيف، فهل لك حتى فيه؟.

> لا. ولكن هل قلتَ لنا، اخرجوا من بحرنا؟

- نعم قلتُ ذلك، اخرجوا حتى من هواء الأرض المحتلة،

> ولكن، لا بحر في الأرض المحتلة.

- هذا البحر اسمه البحر الأبيض المتوسط، لا بحر غزة.

> إذن، هل تعني أن علينا أن نغرق في البحر؟

- قلت لكم/ اخرجوا من البحر، ولم أقل لكم: اذهبوا إلى البحر.

> ماذا تعني إذن بقولك: "أيها المارون في بحر الكلمات؟

- لم أقل ذلك. قلت: "أيها المارون بين الكلمات" وهناك فارق طفيف بين كلمة "بحر" وبين كلمة "بين" .

> ولكن صحيفة "معاريف" وغيرها من وسائل الإعلام الإسرائيلية تقول إنك قلت: "بحر الكلمات"

- أنا أدرى بقصيدتي من وسائل الإعلام. ثم ماذا لو قلت: "بحر الكلمات"؟ ما هي المعضلة؟

> إن في ذلك إيحاء برمينا في البحر!

- إنك تحرك فيّ الضحك..

> وهل قلت: إن فيك ما ليس فينا: وطناً ومستقبلاً؟

- نعم قلت، وما الذي يثيرك؟

> أليس لنا وطن ومستقبل؟

- ليس لكم وطن ومستقبل في الاحتلال.

> قل لي: ما هي بلادك؟

- بلادي هي بلادي فلسطين.

> كل فلسطين؟

- نعم. كل فلسطين بلادي، هل خدعك أحد أن فلسطين ليست بلادي؟

> لا إنها بلادي.

- أنت تؤمن بأن بلادك قد تمتد من النيل إلى الفرات، وأنا أؤمن بأن فلسطين وحدها هي بلاد.

> ونحن ما هي حدودنا؟

- عليكم أنتم أن تقولوا ما هي حدودكم في بلادنا، لأن جزمة الجندي المحتل لا تصلح لأن تكون حدوداً كما كان يحددها الجنرال دايان. أما نحن فلا نسأل ما هو وطننا لأننا نعرفه تماما، بل نسأل عن دولتنا الممكنة من أرض وطننا. ونحن لا نأخذ منكم شيئا لكم. نحن نأخذ من حقنا. فإن تنسحبوا مما هو حولنا إلى ما هو لنا لا يعني أننا نأخذ منكم شيئاً. هل تفهم؟

> لا أفهم..

ويتابع محمود درويش: "ولن يفهم أن السلام ليس نقيضاً للحرية، ولن يفهم أن هذا السلام ليس عدلاً، ولن يفهم أن المطالبة الفلسطينية بحق العودة، وبحق تقرير المصير، وبحق إنشاء الدولة الفلسطينية على جزء من الأرض المحتلة، لا يعني أبداً أن بلادنا ليست بلادنا، ولن يفهم أن المحتل لا يتنازل عن شيء يملكه، ولن يفهم أننا نحن الذين نتنازل" .

وفي مقال آخر يدور حول هذه القصيدة: "وجد الإسرائيليون لعبة جديدة" وجدوا القصيدة.. أن من يصدق لغتهم يتوهم بأن الصراع الفلسطيني / الإسرائيلي لا يدور على أرض، بل يدور على أرض في قصيدة. فالقصيدة هي ناقوس الخطر الذي يستنفر المجتمع الإسرائيلي إلى الوحدة الوطنية. القصيدة هي الحرب، هي الخطر، هي الطاعون.. شيء في المسرح العبثي، من الهستيريا الجماعية. إذ لم يحدث من قبل أن انغمس مجتمع في مثل هذه العمليات من عمليات صرف الأنظار وغسل الدماغ، ولم يتوحد مجتمع أمام خطر واهم كما يتوحد المجتمع الإسرائيلي أمام قصيدة. لقد ترجمت أربع مرات إلى العبرية" .

 

مواضيع كثيرة عالجها محمود درويش في مقالات هذا الكتاب، من عناوينها: شاعر القمر والطين، اغتيال الشيخ، إني أعترف، أكثر من مئة يوم أكثر من ألف عام، خليل الوزير ومرارة الحرية، بلاغ من النثر. من أكثر هذه المواضيع وجعاً في النفس، مقال له من والده سليم حسين درويش كتبه نثراً وتضمن أيضاً شعراً: "أبي جفّ فجأة. تيبس كالشجر المهجور. أبي مات هناك. دفن في التل المطل على مشهد حياته المنهار.

فأين أموت يا أبي؟ هل كان عليك أن تصمت كل هذا الصمت، خمساً وسبعين عاماً، لكي أتعلم كل هذا الكلام الذي لا يشبه سنبلة، ولا يقوى على إيصال دمعتي إليك؟

سامحني يا أبي..

وسامحني لأني لم أنجب لك حفيدا يفعل بي ما فعلت بك يا أبي!

وأبي يا أبي

غض طرفا عن القمر

وانحنى يحفر التراب

وصلى

لسماء بلا مطر

ونهاني عن السفر

وأبي قال مرة:

الذي ما له وطن

ما له في الثرى ضريح

ونهاني عن السفر!

وسامحني يا أبي!