بقلم : أحمد ذيبان (صحفي وكاتب أردني) ..
انفرطت مسبحة الفساد في الأردن بسرعة، كمن يُلقي حجراً في مستنقع مائي، يتسبّب بحدوث تموّجات على شكل دوائر ممتدّة، تبدأ من مركز إسقاط الحجر، وتكبُر وتمتد لتُصبح حلقات أوسع وأوسع، والحجر هنا تعبير مجازيّ يتمثل بكشف النائب الدكتور مصلح الطراونة، «فضيحة الدخان» في كلمته خلال مناقشات مجلس النواب، لبيان الثقة بحكومة الدكتور عمر الرزاز، الذي قدّم نموذجاً، على الأداء البرلماني الرصين، والرقابة الحقيقية المعتمدة على المعلومات والحقائق، والحرص على المصلحة العامة، فيما يُوجد كثير من النواب يُنافقون الحكومة، ويرتبطون معها بمصالح خاصة!، لكن الخشية هنا أن تتلاشى عملية ملاحقة الفاسدين، كما تختفي وتتلاشى موجات إلقاء الحجر في الماء، مقارنة مع تجارب ذات علاقة خلال السنوات الماضية!.

توالت المعلومات عن فضائح الفساد بعد ذلك، بالكشف عن كنز من التفاصيل حول خفايا «فضيحة الدخان» وقضايا فساد أخرى، من خلال مُداهمة الأجهزة الأمنية ودائرة الجمارك، مصانع ومواقع ومزارع، ضَبَط فيها معدات ومعطيات مادية، تستخدم في تصنيع وإنتاج «الدخان الفاسد» والمخدّرات والعملات المزورة وحليب الأطفال الرضّع منتهي الصلاحية، وعن تورّط عشرات الأسماء من ذوي نفوذ، في مواقع ومسميات مختلفة في قضية الدخان، تم القبض على 16 منهم، ووجود آخرين خارج البلاد، بضمنهم «بطل» الفضيحة واختفاء عدد آخر!، كما تم الحجز التحفظي على أموال 177 شخصاً!.

شخصان .. الأردنيون مدينون لهما بالشكر والعرفان، أولهما النائب الطراونة الذي كشف «قضية الدخان»، وهي فضيحة يمكن تشبيهها بهزة تعادل « 4 « درجات على مقياس ريختر!، والغريب أن القضية كانت معروفة لأجهزة الدولة، وكان يتم «الطبطبة» عليها، لكون «بطلها» يمتلك شبكة علاقات واسعة مع شخصيات عامة ومتنفذين، وثمّة كتب رسمية تم تسريبها بعد الكشف عن الفضيحة، تتعلق بعمليات تصنيع وإنتاج الدخان، وإدخال مصانع بطرق غير قانونية، وتهرّب ضريبي يناهز «150» مليون دينار، بعلم وأمام نظر الحكومة السابقة!، لكن من حسنات «الهزّات الأرضية»، أنها تكشف الغش في العمران وتفضح المقاولين الفاسدين!.

والشخص الآخر الواجب تقديم الشكر له، هو «مارك زوكربيرج»، مؤسس شركة «الفيسبوك»، وهي أشهر شبكة تواصل اجتماعي وأكثرها شعبية، التي أتاحت للأردنيين فرصة، التواصل وتبادل المعلومات والصور والوثائق المتعلقة بالفضيحة، وهو ما وضع الحكومة وأجهزتها في وضع حرج، وأجبرها على كشف تفاصيل عمليات تهريب مكونات المصانع، بلا رسوم جمركية والصمت على عملية إنتاج الدخان الفاسد، وممارسة الغش وتزوير الماركات لفترة طويلة، دون حسيب أو رقيب!، ولو تم التعاطي إعلامياً على طريقة الإعلام الرسمي التقليدية «المحنّطة»، لربما تم «لفلفة» القضية، وإرهاب كل من يتحدّث عنها وتهديده بالقضاء ومُطالبته بتقديم أدلة! لكن وجود «الفيسبوك» والصحافة الإلكترونية، أتاح متنفساً غير مسبوق للتعبير والتعليق والنقد وممارسة الضغط الشعبي على الحكومة للتحرك!

وهناك العديد من ملفات الفساد المتراكمة، بعضها أُشبع نقاشاً دون مُعالجة، مثل ملف «الفوسفات» و»سكن كريم» و»الكازينو»، وبعضها الآخر منسي لم يحظ باهتمام، يتعلق بتبخّر أموال صغار المساهمين في شركات مساهمة عامة، خسرت عشرات الملايين من الدنانير بسبب فساد الإدارات وتلاعبها، في ظل غياب دائرة مراقبة الشركات!، وقبل عدة أشهر انشغل الرأي العام بما سمي بقضية «البليط»، التي أثارت اهتمام وسائل الإعلام والبرلمان الأردني!.

حكومة الدكتور الرزاز أمام اختبار صعب، حيث انفجرت «قضية الدخان» بوجهها في بداية توليها مسؤولياتها، وبظني أن الفساد في الأردن أصبح أقرب إلى «مؤسسة أخطبوطية»، تتطلب مكافحتها إرادة فولاذية، ربما تشبه «العملية الانتحارية»!

إن تطهير البلد من منظومة الفساد والفاسدين، أصبح مطلباً شعبياً ملحاً، وهو الطريق الوحيد لإنقاذ البلد من الطريق المجهول والنفق المظلم، المتمثل بأزمات اقتصادية واجتماعية، وبطالة وفقر وغلاء معيشة ومديونية وعجز هائل، وهو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة، بين الشعب ومؤسسات الدولة، التي انهارت خلال السنوات الماضية، بسبب سوء إدارة الدولة وتفشي الفساد بمختلف أشكاله.. مالي وإداري واقتصادي، وعدم الجديّة في مكافحته!، والأمر لا يقتصر على الوضع الداخلي وردود الفعل الشعبية الغاضبة وانتشار حالة الإحباط، بل إن سمعة البلد الخارجية في خطر، خاصة «أن الحكومة تقترض لدفع الرواتب»، كما قال نائب رئيس الوزراء مؤخراً!.
  
Theban100@gmail.com