بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..
ما بين الأهداف الاقتصادية الطاغية والسياسية المتوارية تم عقد منتدى التعاون العربي الصيني في بكين الأسبوع الماضي والذي افتتح جلساته الرئيس الصيني شي جين بينج يوم 10 يوليو الجاري. طرح شي رؤيته الاستراتيجية لكيفية توثيق العلاقات العربية الصينية، وبنائها على أساس تحقيق الفوائد المشتركة للطرفين من خلال استثمار ما لديهما من موارد وفرص.

ما يجمع بين الصين والدول العربية حوار وتواصل مفتوح منذ القدم وتم تأسيسه بشكلٍ مبني على المواثيق منذ مؤتمر باندونج 1955م. هذا الميثاق يأخذه منتدى التعاون، آصرة علاقته المبنية على رؤية استشراف العلاقات الصينية العربية. وتتمثل في التزام الصين بتطوير علاقاتها مع الدول العربية على أساس المبادئ الخمسة لباندونج والمتمثلة في الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. ومنها أيضاً أنّ العالم العربي يُعتبر شريكاً مهماً للصين التي تسلك بخطوات ثابتة طريق التنمية السلمية في مساعيها، لتعزيز التضامن والتعاون مع الدول النامية وإقامة علاقات دولية من نوع جديد تتمحور على التعاون والكسب المشترك. تتبنى الصين سياسة نشر الاستثمارات على نطاق واسع بتعزيز التبادل التجاري المتنامي، على أن يساعد المجتمع الدولي في تقديم الدعم المالي والتقني لها.

ومن هذه المبادئ، تتمسّك الصين بشدة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، كما ترفض التدخل العسكري الغربي الذي أثبت فشله في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها، وذلك من خلال استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ومن هذه المواقف أنّ الصين رفضت مبدأ استخدام القوة وطالبت الأمم المتحدة في 23 مايو/ 2011م، بوضع استراتيجية شاملة لمنع النزاعات الدموية والحفاظ على السلام العالمي. وأكد الموقف الصيني على رفض الحرب أسلوباً لحلّ النزاعات الدولية مهما كانت الذرائع. ودعت الصين المجتمع الدولي إلى مساعدة الدول التي تشهد نزاعات دموية من أجل الحفاظ على وحدة الشعب والأرض وبناء القدرة الوطنية، وتوظيف الشباب، ونشر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعاون المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية مع هذه الدول لمساعدتها على تسريع الإصلاحات ووقف الحرب الأهلية.

وإن نسينا فلن ننسى أنّ الأزمة العربية كانت سابقة لقيام منتدى التعاون العربي - الصيني الذي تَأسس في عام 2004م بمبادرة من الرئيس الصيني السابق هو جينتاو خلال زيارته إلى مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، حيث صدر حينئذ الإعلان العربي - الصيني المشترك.

على المستوى الاقتصادي فقد قفز حجم التبادل التجاري الصيني العربي من 36.4 مليار دولار أمريكي عند تأسيس المنتدى إلى 191 مليار دولار في عام 2017م، ما يمثل طفرة واضحة جعلت من الصين ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية.

وقد ذكر الرئيس شي في خطابه أنّ بلاده تسعى إلى رفعه إلى 600 مليار دولار في السنوات العشر المقبلة، وذلك بتشجيع الشركات الصينية على استيراد مزيد من المنتجات غير النفطية من الدول العربية. كما تتطلع الدول العربية إلى الشراكة الواعدة في مشروع (الحزام والطريق) الذي تحتل الدول العربية مكانة بارزة فيه، بحكم الموقع الاستراتيجي والإمكانات الاقتصادية والموارد الطبيعية والبشرية. ولما يمثله المشروع من أهداف استراتيجية وفرص غير محدودة للتعاون والربط وتسهيل حركة النقل ومضاعفة فرص الاستثمار وتعزيز الاقتصاد العالمي.

ما أثار دهشة الوفود العربية في منتدى بكين الأخير هو إعلان الرئيس الصيني شي جين بينج خلال كلمته عن عزمه عقد مؤتمر دولي عن القضية الفلسطينية، ودعمه لإيجاد حل دائم لها قائم على حلّ الدولتين ومبادرة السلام العربية التي تُعدُّ الأساس لمفاوضات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وزاد على ذلك بأنّ بكين سوف تقدّم مساعدة مالية تُقدّر بقيمة 100 مليون دولار لدعم النمو الاقتصادي، وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين. كما أكّد على أهمية إحلال السلام وتحقيق التنمية في منطقة الشرق الأوسط من منظور أمني مشترك، واحترام خصوصية الدول والتمسك بالعدل والمساواة والانفتاح والتعاون من أجل تحقيق الكسب المشترك والازدهار للشعوب العربية والصينية.

وبالنظر إلى طبيعة قضايا المنطقة المعقّدة خاصة القضية الفلسطينية نجد أنّ الطموحات ضخمة بما يكفي، ما يحدّ من تأثير الصين في حلّ الصراع العربي - الإسرائيلي، لاعتبارات عديدة أهمها تطور العلاقات الصينية - الإسرائيلية. وإذا نظرنا بعين الاعتبار إلى دور الصين وفاعليتها في العلاقات الدولية نجدها تقوم على رعاية مصالحها بالأساس.

وبالرغم من إشارة شي إلى أنّ الأمة العربية تمتلك الحكمة التي تمكّنها من مواجهة تحديات العصر الحديث، فإنّ أزمات الشرق الأوسط عصيّة على الحل ما قد يعيق بشكلٍ كبير مسارات التعاون المشترك. قد لا تكون الصين قوية الأثر فيما يتعلّق بالسياسات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط، ولكن مجرّد طرح هذه الأجندة في المنتدى باعتبارها هاجساً عاماً، لهو جدير بأن يحرّك عصب المشاعر العربية.